شرح الجامع الصحيح (الجزء 3) [نسخة كوكب المعرفة] عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

ما جاء في رجم المشركين

الجزء ١ · صفحة ١٠٩

وقرره رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا طريق لنا إلى ثبوت الأحكام التي توافق أحكام الإسلام إلا بمثل هذه الطريق، ولم يتعقَّب ذلك في شرعنا ما يبطله، ولاسيما وهو مأمور بأن يحكم بينهم بما أنزله الله ومنهيّ عن إتباع أهوائهم كما صرح بذلك القرآن العزيز، وقد أتوه صلى الله عليه وسلم يسألونه عن الحكم ولم يأتوه ليعرفهم شرعهم، فحكم بينهم بشرعه ونبههم إلى ذلك ثبات في شرعهم كثبوته في شرعه، ولا يجوز أن يقال أنه حكم بينهم بشرعهم مع مخالفته لشرعه، لأن الحكم منه عليهم بما هو منسوخ عنده لا يجوز على مثله، وإنما أراد بقوله: «فأنا أحكم بينكم بالتوراة كما وقع في رواية من حديث أبي هريرة» إلزامهم الحجة.

وأما الاحتجاج بقوله تعالى: (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ) فغاية ما فيه أنَّ الله شرع هذا الحكم بالنسبة إلى نساء المسلمين، وهو مخرَّج على الغالب كما في الخطابات الخاصة بالمؤمنين والمسلمين مع أن كثيراً منها يستوي فيها الكافر والمسلم بالإجماع، ولو سلمنا أن الآية تدل بمفهومها على أن نساء الكفار خارجات عن ذلك الحكم، فهذا المفهوم قد عارضه منطوق حديث الباب(7 ) فإنه مصرَّح بأنه صلى الله عليه وسلم رجم اليهودية مع اليهودي، ومن غرائب التعصبات ما رُوي عن مالك أنه قال: «إنما رجم النبي صلى الله عليه وسلم اليهوديين لأن اليهود يومئذ لم يكن لهم ذمة فتحاكموا إليه».

وتُعُقب بأنه صلى الله عليه وسلم إذا أقام الحدَّ على من لا ذمة له فلأن يقيمه على من له ذمة بالأولى، وأيضاً فإن مجيء اليهود(8 ) كسائلين له صلى الله عليه وسلم يوجب لهم أماناً كما لو دخلوا للتجارة فإنهم في أمان إلى أن يُردُّوا إلى مأمنهم والله أعلم، وللحديث فوائد يطول بذكرها المقام.

--------------------------------------------------------------------------

١٠٤ / ٢٤٩