شرح الجامع الصحيح (الجزء 3) [نسخة كوكب المعرفة] عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

ما جاء في قطع يد السارق

الجزء ١ · صفحة ١٢٧

وأجيب بأن في إسنادها محمد بن إسحاق وقد عنعن، ولا يحتج بمثله إذا جاء الحديث مُعنعناً فلا يصح لمعارضة أحاديث الباب، وقد تعسَّف الطحاوي فزعم أن حديث عائشة مضطرب، ثم بين الاضطراب بما يفيد بطلان قوله، ولو سلمنا صلاحية روايات تقدير ثمن المجن بعشرة دراهم لم يكن ذلك مفيداً للمطلوب.

أعني عدم ثبوت القطع فيما دون ذلك لما في الباب من إثبات القطع في ربع الدينار، وهو دون عشرة دراهم اتفاقاً، فيتعين الرجوع إلى هذه الرواية وطرح الروايات المتعارضة في ثمن المجن، ولما ثبت عن أصحابنا من حديث أبي سعيد عند المصنف أن قيمة المجن الذي قطع فيه النبي صلى الله عليه وسلم أربعة دراهم جملوها مبينة لربع الدينار المذكور في حديث عائشة ولم يقطعوا فيما دونها.

وللأمة في نصاب القطع مذاهب أوصلها بعضهم إلى عشرين قولاً أقلها أنه يقطع في القليل والكثير، حكي ذلك عن الحسن البصري وداود والخوارج، وأكثرها لا يجب القطع إلا في أربعة دنانير أو أربعين درهماً، حكي ذلك عن النخعي وهو قول لا دليل عليه، وأما الذي قبله فإن أربابه تمسكوا بإطلاق قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا)(2 ).

والجواب أن إطلاق الآية مقيَّد بالأحاديث المذكورة في الباب، قالوا: حديث أبي هريرة عند الشيخين(3 ) وأحمد: «لعن الله السارقَ يسرق البيضة فتُقطع يده ويسرق الحبل وتقطع يده»، قلنا(4 ): المراد المبالغة في التنفير عن السرقة بجعل ما لا يقطع فيه بمنزلة ما يقطع كما في حديث من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة، وحديث تصدقي ولو بظلف مُحرَّق، مع أن مفحص القطاة لا يكون مسجداً، والظلف المحرق لا ينتفع به والله أعلم.

------------------------------------------------------------------

١٢١ / ٢٤٩