المصاحف العثمانية والأحرف السبعة
الجزء ١ · صفحة ١٠النموذج الأول: قال الإمام ابن الجزري: «وقد تكلَّم الناس على هذا الحديث بأنواع الكلام، وصنَّف الإمام الحافظ أبو شامة - رحمه الله - فيه كتابًا حافلاً، وتكلَّم بعده قومٌ، وجنح آخرون إلى شيءٍ آخر، والذي ظهر لي أنَّ الكلام عليه ينحصر في عشرة أوجه:
الأول: في سبب وروده، الثاني: في معنى الأحرف، الثالث: في المقصود بها هنا الرابع: ما وجه كونها سبعة؟ الخامس: على أيِّ شيءٍ يوجَّه اختلاف هذه السبعة؟ السادس: على كم معنى تشتمل هذه السبعة؟ السابع: هل هذه السبعة متفرِّقة في القرآن؟ الثامن: هل المصاحف العثمانية مشتملة عليها؟ التاسع: هل القراءات التي بين أيدي الناس اليوم هي السبعة أم بعضها؟ العاشر: ما حقيقة هذا الاختلاف، وفائدته؟» (7).
النموذج الثاني: قال الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني:
« … ونحن نستعين بالله ونستهديه أن يخلص لنا الورد من الشوك في هذا الموضوع الشائق الشائك، وأن يُهيِّء لنا من أمرنا رَشَدًا، وسنجول في هذا الميدان - إن شاء الله - جولات عدَّة نتحدَّث فيها عن أدلَّة نزول القرآن على سبعة أحرف، وعن شواهد بارزة في هذه الأحاديث الواردة، بينها فوائد كثيرة لاختلاف الحروف والقراءات، وعن معنى نزول القرآن على سبعة أحرف، وعن الوجوه السبعة في المذهب المختار، وعن تحقيق النسبة بين المذهب المختار وأشباهه، وعن وجوه اختيار هذا المذهب، وعن دفع الاعتراضات الواردة عليه، وعن بقاء هذه الأحرف السبعة في المصاحف، وعن الأقوال الأخرى وتفنيدها، وعن دفعٍ إجماليٍّ للأقوال الأخيرة منها، ثمَّ نختم المبحث بعلاج الشبهات الواردة على هذا الموضوع، والله المستعان» (8).
يمكنك بعد استعراض النموذجين أن تتصور مدى تشعُّب الكلام في الموضوع، وأن تدرك أنَّه مترامي الأطراف، ذو حواشٍ وذيولٍ، ومن المفيد جدًّا أن نطَّلع على جهود جهابذة العلماء في كافة المباحث المشار إليها، غير أنَّ هذا البحث في هذه الدورية لا يمكنه أن يستوعبها، بل إنه لا يعدو أن يكون غرفة من بحر.
والذي يهمنا في المقام الأول مبحث تأويل أحاديث الأحرف السبعة:
لم يرد نصٌّ أو بالأحرى لم يبلغنا عن المعصوم صلى الله عليه وسلم في تأويلها شيءٌ، اللهم إلاَّ ما نقله ابن حجر في "الفتح" من قوله: «وذهب قوم إلى أنَّ السبعة الأحرف سبعة أصناف من الكلام، واحتجُّوا بحديث ابن مسعود عن النبيء صلى الله عليه وسلم قال: "كان الكتاب الأول [يريد ما نزل من الكتب قبل القرآن] ينزل من باب واحد على حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب؛ زاجر وآمر، وحلال وحرام، ومحكم ومتشابه، وأمثال، فأحلُّوا حلاله وحرِّموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به، وانتهوا عمَّا نهيتم عنه، واعتبروا بأمثاله، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا آمنا به كلٌّ من عند ربِّنا"». أخرجه أبو عبيد وغيره. قال ابن عبد البر: هذا حديث لا