مجلة الحياة، العدد 8 (مبوبة) مجلة الحياة

المصاحف العثمانية والأحرف السبعة

الجزء ١ · صفحة ٩

نظير ما وقع لعمرَ مع هشام؛ من ذلك ما حدث لأُبيِّ بن كعب مع ابن مسعود في سورة النحل، ومنه ما أخرجه أحمد: أن رجلاً قرأ آية من القرآن فقال له عمرو: "إنَّما هي كذا وكذا"، فذكرَا ذلك للنبيء صلى الله عليه وسلم فقال: "إنَّ هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فأي ذلك قرأتم أصبتم فلا تُماروا فيه … "».

ولأحمد أيضًا، وأبي عبيد، والطبري من حديث أبي جهم بن الصمَّة أن رجلين اختلفا في آية من القرآن، كلاهما يزعم أنه تلقاها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر نحو حديث عمرو بن العاص. وللطبري والطبراني، عن زيد بن أرقم قال: «جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أقرأني ابن مسعود سورة أقرأنيها زيد، وأقرأنيها أُبي بن كعب، فاختلفت قراءتهم، فبقراءة أيِّهم آخذ؟ " فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليٌّ إلى جنبه، فقال لعليٍّ: "ليقرأ كلُّ إنسان منكم كما عُلِّم فإنَّه حسن جميل"» (4).

هذه عينة ممَّا وقع من الاختلاف بين الصحابة رضي الله عنهم، ولعل الذي وقع منهم ولم يبلغنا خبره أكثر من الذي بلغنا عنهم.

وقد أشكل على العلماء تأويل الأحاديث الواردة في شأن الأحرف السبعة منذ القديم، ولا يزال الإشكال قائمًا إلى اليوم.

قال الإمام الحافظ أبو الخير محمد بن محمد الشهير بابن الجزري: « … ولا زلت أستشكل هذا الحديث وأفكِّر فيه وأُمعن النظر من نيِّفٍ وثلاثين سنة، حتَّى فتح الله عليَّ بما يمكن أن يكون صوابًا إن شاء الله» (5).

وقال الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني: «هذا مبحثٌ طريفٌ وشائق، غير أنَّه مُخيفٌ وشائك؛ أمَّا طرافته فلأنَّه يُرينا مظهرًا من مظاهر رحمة الله وتخفيفه على عباده، وتيسيره لكتابه على كافة القبائل العربية، بل على جميع الشعوب الإسلامية، من كلِّ جيلٍ وقبيل، حتَّى ينطقوا به ليِّنةً أنفسُهم، سهلةً لهجاتُهم، برغم ما بينهم من اختلاف اللغات وتنوُّع في الخصائص والميزات، ومن طرافة هذا المبحث أيضًا أنَّك تشاهد فيه عرضًا عامًّا لمنتجات أفكار كثيرة …

وأمَّا مخافةُ هذا المبحث وشوكُه فلأنَّه كثُر فيه القيل والقال، إلى حدٍّ كاد يطمس أنوار الحقيقة، حتى استعصى فهمُه على بعض العلماء ولاذ بالفرار منه، وقال إنَّه مُشكل … أضف إلى ذلك أنَّ الخطأ في هذا الباب قد يتَّخذُ منه أعداء الإسلام سبيلاً عِوَجًا لتوجيه المطاعن الخبيثة إلى القرآن» (6).

وقد أطنب العلماء وأفاضوا في مباحث أحاديث الأحرف السبعة بشكلٍ عجيب، وكان لبعضهم فيها جولات وصولات تملأ صدرك دهشة وإعجابًا، وتقديرًا لجهود العلماء في هذا المضمار.

أضع بين يديك - أيها القارئ الكريم - نموذجين لتُدرك بهما مدى تشعُّب الكلام في أحاديث الأحرف السبعة.

٩ / ٢٦٨