وسائل الاتصال والتواصل بين المسلمين - الوقف والزكاة نموذجا
الجزء ١ · صفحة ١٠٨والعثماني إلى "تهريب" أملاكهم فيدخلونها في طائلة الوقف حتَّى لا يعبث بها العابثون، على أنَّ العبث بها قد يكون من صاحب الوقف نفسه، فقد اتَّخذها بعضهم وسيلة للتفريق بين الذكور والإناث، وتصرَّفوا بواسطتها في الإرث، فحرموا البعض ومتَّعوا البعض الآخر. وكان دافعهم أحيانًا هو الخوف من استيلاء الحكَّام الظلمة على أملاكهم، فكانوا يُحصِّنون أملاكهم من التعدي عليها بإدخالها في الوقف على أنفسهم أوَّلاً ثم على المساجد والمبرَّات بعدهم، وقد فعل ذلك حكَّام المماليك الذين كثرت الأوقاف في عصرهم ـــ كما أشرنا ـــ والذين كانوا يتعرَّضون إلى انقلابات سياسية، فيأتي غيرهم ويصادر أموالهم وأراضيهم ويستولي عليها غصبًا.
ولمَّا حكم محمد علي مصر أدخل أملاك الوقف في أملاك الدولة وجعل ريعها يصبُّ في خزينة الدولة، وقد أسس إدارة خاصًّة بالأوقاف، وجعلها مسؤولة على أوقاف الحرمين الشريفين (مكة والمدينة). كما جعلها مسؤولة على الصرَّة والغلال والمواد التموينية التي أصبحت تخرج من خزينة الدولة بعد أن كانت مستقلة عنها. وممَّا يذكر أنَّ صنع كسوة الكعبة وتجهيز المحمل المصري كان قبل محمد علي من مال الأوقاف، ولكن منذ أن اتَّخذ محمد علي الخطوة المذكورة أصبح إرسال الكسوة والمحمل من مال الدولة) 7 (.
وممَّا يذكر في هذا الصدد أنَّ السلطان محمود الثاني العثماني ألغى نظام الوقف وجعل له وزارة خاصَّة تحت سلطته، فأصبحت هي المعنية بالصرف على من كانوا يستفيدون من الوقف. وحين احتلَّت فرنسا الجزائر استولت على أملاك الأوقاف وضمَّتها إلى ملكية الدولة الفرنسية، وتصرَّفت في مداخيلها، بما في ذلك أوقاف الحرمين الشريفين، والمؤسسات الدينية، والتعليمية، ممَّا أدَّى إلى نشر الفقر بين فئة هامَّة في المجتمع، وإضعاف تعليم القرآن واللغة العربية) 8 (.
ومهما كان الأمر فإنَّ كثرة الأوقاف في البلاد الإسلامية بآخر القرن التاسع عشر الميلادي وأوائل القرن العشرين قد تسبب في ضعف استغلال الأرض الموقوفة، وصارت مداخيلها نهبًا للذين يتولَّون أمرها، أو من كان حولهم من المستفيدين منها، وقد نادى بعض المصلحين بإصلاح نظام الوقف نظرًا لما وصل إليه من تدهور وعدم تحكُّم، فقامت بعض الدول مثل مصر بإلغاء الوقف الأهلي (الذرٍّي) حتى لا يستمرَّ التلاعب فيه.
يخدم الوقف مختلف الأغراض الاجتماعية والتعليمية، ومن أبرزها تحفيظ القرآن الكريم في الكتاتيب أو المدارس القرآنية، وقد جرت العادة على أن يكون الكتَّاب قريبًا أو ملتصقًا بأحد المساجد، وكانت الكتاتيب منتشرة في الأحياء السكنية بالمدن والبلدات، وحتى في الأرياف حيث تُنصب الخيام لاستقبال الأطفال وتحفيظهم القرآن الكريم، وتتوفر الكتاتيب على النظافة والمرافق الصحية والألواح وأجرة الشيخ أو المعلم، بالإضافة إلى الماء والإنارة، وكانت المساجد وموظفوها (من خطباء ومدرسين ومنظفين … ) والمدارس ومدرسوها تحظى بحظ هام من الأوقاف التي توفِّر