مجلة الحياة، العدد 8 (مبوبة) مجلة الحياة

وسائل الاتصال والتواصل بين المسلمين - الوقف والزكاة نموذجا

الجزء ١ · صفحة ١٠٩

للموظفين حاجاتهم، بل توفر الماء إلى هذه المؤسسات من أماكن بعيدة، وفرش المساجد بالسجاد أو الحصير، وشراء الزيت لإنارة المصابيح والثريات، والنظافة، وفوق كلِّ ذلك صيانة المساجد والمدارس لكي تظل مستمرة في أداء مهمتها النبيلة. وكانت مؤسستا المساجد والمدارس تتوفَّر أيضا على مساكن وأروقة للطلبة البعيدين أو الغرباء، وكانت إقامتهم مجَّانية، وكذلك طعامهم وشرابهم، كما أنَّ بعض المساجد والمدارس كانت تضمُّ مكتبات أيضًا، بحيث يجد الطالب فيها المخطوطات وأمهات الكتب التي يحتاجها في دراسته، وهي في العادة كتبٌ حبسها أصحابها، أو اشتراها آخرون وحبسوها على المسجد أو المدرسة أو الزاوية (الخانقاه)) 9 (.

وكان ذلك هو شأن مختلف المساجد، ولا سيما الكبيرة منها، فالحرمان الشريفان والجامع الأعظم ببغداد، وجامع القرويين، وجامع الزيتونة، والجامع الأموي، والجامع الأزهر، والأقصى بالقدس، وجامع قرطبة، والجامع الأعظم بالجزائر، وغيرها كان لها أوقاف عظيمة تسمح لها بأداء مهمتها الدينية والتعليمية والثقافية، فهذا الجامع الأزهر الذي صُلِّيت فيه أول جمعة سنة 361هـ والذي شيَّده الفاطميون ليكون مثابة للمذهب الشيعي، أوقف عليه الحاكم بأمر الله كثيرًا من الأراضي الزراعية والعقارات والمباني والدور والأسواق والمخازن والرباع، ثمَّ تنافس الحكام بعد ذلك في الوقف عليه فازدادت أوقافه) 10 (. وقل مثل ذلك جامع القرويين الذي بني في عهد الأدارسة، وحظي منهم ومن غيرهم كبني مرين بأوقاف ضخمة ومستمرة) 11 (.

ويمكن حصر بعض المسائل التي يقوم الوقف بتغطيتها، ومنها: النفقة على العلماء والفقهاء والطلبة، والإحسان إلى الفقراء والتخفيف من معاناتهم، والحد من تعسف الحكام والهروب من ظلمهم، وإتاحة الفرصة أمام العجزة والقاصرين لكي يستغلوا أرزاقهم ويسيِّروها على أفضل وجه، وحفظ قيم الأسرة وتماسكها، وصيانة حقوق الورثة، بالإضافة إلى صيانة المرافق العامَّة كالعيون المائية ومحطَّات المسافرين، وبناء وترميم الثكنات العسكرية، وتحصين الأسوار والقلاع حول المدن، وتوفير عدَّة الجهاد، وفدية الأسرى …

وتشمل الأوقاف بالإضافة إلى ما ذكرنا: الدكاكين، والمحلات التجارية، والخانات، والفنادق، والإسطبلات، والمنازل، والطواحين والحمَّامات والمخابز ومعاصر الزيت، ومصانع الصابون والورق والسكر، وهناك أيضًا الأملاك الزراعية كالبساتين والمزارع، بل هناك قرى بأكملها كانت موقوفة.

ولكن ذلك لا يعفينا من القول بأنَّه بالرغم من هذا الوجه المشرق للوقف، وهو الغالب عليه، فإنَّ هناك بعض الإساءات إليه؛ ففي بعض الأحيان كان الفائض على الاستغلال فقط من دخل الوقف هو الذي يُستعمل للصيانة، وإذا لم يكن هناك فائض فإنَّ المؤسسة تبقى متروكة للإهمال والخراب.

وهناك حوادث عديدة تدل على وقوع تلك الإساءات، وذلك بتوجيه ريع الوقف إلى أغراض شخصية أو غير منصوص عليها في الوقفية، ويأتي ذلك عادة ممن يتولَّون الأوقاف الذين يُطلق

١٠٩ / ٢٦٨