مجلة الحياة، العدد 8 (مبوبة) مجلة الحياة

وسائل الاتصال والتواصل بين المسلمين - الوقف والزكاة نموذجا

الجزء ١ · صفحة ١١٠

عليهم أحيانًا الوكلاء أو النُظَّار، وهناك حوادث عن الغش في حسابات الوقف) 12 (. وقد مرَّ بنا أنَّ بعض الحكَّام قد تعدَّوا على حرمة الوقف المؤبَّد فحوَّلوه إلى خزانة الدولة.

ثانيًا: الزكاة والقيم الإسلامية:

الزكاة أحد أركان الإسلام الخمسة، وهي حق المال في نظر الإسلام، كما أنَّها حق الجماعة على الفرد، إذ إنَّ القرآن صريح في ذلك بقوله: ﴿وَالذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لِلسَّآئِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾) 13 (. وهي عبادة «تطهِّر ضمير الفرد من غرائز الشح والبخل وحب الذات») 14 (. وقد جاء في القرآن الكريم: ﴿خُذْ مِنَ اَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾) 15 (. فالزكاة تطهِّر المسلم من الأثرة والأنانية، كما تطهر المال من الحرام والخبائث.

وقد شرع الإسلام الزكاة بنسب مختلفة للممتلكات، ولكنها نسب قليلة لا تضرُّ بالمالك، ومع ذلك فهي تمثل دخلاً هامًّا للمجتمع وثروة يمكن أن يستفيد منها عدد كبير من ذوي الحاجة. والزكاة بذلك قادرة، إذا أدَّاها صاحبها على خير وجه، على تأمين نفقات التكافل الاجتماعي الذي حثَّ عليه الشرع، والذي يجعل المسلمين يعيشون كالجسد الواحد.

والزكاة من هذه الناحية حقٌّ اجتماعي وليست منَّة يمنُّ بها أصحاب الأملاك على المحرومين منها، وقد نهى القرآن عن المنِّ لأنَّه يبطل الصدقات التي منها الزكاة، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالاَذَى كَالذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ النَّاسِ وَلاَ يُومِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ﴾) 16 (. ونصاب الزكاة ـــ على قلَّته ـــ لا ينحصر في الأغنياء، بل إنَّ أغلب أفراد المجتمع يشتركون فيه لتأمين التكافل الاجتماعي، وإذا لم يقوموا بذلك يصبح واجبًا على أهل كلِّ بلدٍ أن يقوموا بحاجات فقرائهم وتوفير ضرورات المعاش لهم) 17 (.

وقد نصَّت الآية على الجهة التي تعطى إليها الزكاة وهي ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُوَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾) 18 (. فالجهة الأولى والثانية معروفة وهم الفقراء المسلمون والمساكين الذين ليس لهم وسيلة للعيش، والعاملون على الزكاة هم الجباة الذين يبذلون الجهد في تحصيلها من أصحابها، فالجباة لهم حق في الزكاة، والمؤلَّفة قلوبهم هم أناس أسلموا ولكن إسلامهم لم يكن متمكِّنًا بعدُ من قلوبهم، فيُعطَون الزكاة تأليفًا لقلوبهم، ولكن بعد أصبح الإسلام قويًّا توقَّف إعطاء هؤلاء الزكاة، وكان أول من حكم بذلك هو الخليفة عمر بن الخطاب. وفي الرقاب والمقصود بهم العبيد الذين تعاقدوا مع سادتهم على عقدهم ولم يكن لهم مال يؤدُّونه إليهم ليتمَّ تحريرهم، فتكون الزكاة مساعدة لهم على الخروج من العبودية، ويكون ذلك برهانًا على حثِّ الإسلام على التخلُّص من الرق. والغارمون هم الذين تراكم عليهم الدَّين ولم يكن عندهم ما يدفعونه للتخلص منه، وقد حكم الشرع بأنَّ لهم حقًّا في الزكاة لأنَّ الإسلام لا يرضى للمسلم أن يكون مَدِينًا، لأنَّ

١١٠ / ٢٦٨