المصاحف العثمانية والأحرف السبعة
الجزء ١ · صفحة ١٢الإشراك والترغيب في الثواب والترهيب من العقاب (13).
وهناك أقوال أخرى تركتها مخافة التطويل.
وعند التأمل في ألفاظ أحاديث الأحرف السبعة وأسباب ورودها، أو بالأحرى مناسبات ورودها، يتبين لنا أن أقرب الأقوال إلى الصواب في تأويلها ما كان منها متعلقا بنص القرآن؛ أي بألفاظه وأسلوبه. ولهذا فالقول الذي حَظِي بقبول كثير من العلماء قول الإمام أبي الفضل الرازي؛ ذلك لأن الخلاف الذي شجر بين الصحابة في عهد النبيء صلى الله عليه وسلم كان بسبب الاختلاف في القراءة، ثم إن ما حصل بالمسلمين بعد ذلك كان نتيجة تفرق الصحابة في الأمصار، وأخذ الناس فيها بقراءة الصحابي الذي حل بين أظهرهم، فكان أهل الشام يَقرَؤُون بقراءة أبي بن كعب، وأهل الكوفة بقراءة عبد الله بن مسعود، وأهل البصرة بقراءة أبي موسى الأشعري، فاختلفوا حتى كادت تكون بينهم فتنة وشر مستطير،
لا سيما عندما اجتمعت جموع المسلمين الغفيرة في بعض مغازيهم، كالتي حصلت في فتح أرمينيا وأذربيجان.
ذكر ابن حجر في فتح الباري نقلا عن محمد بن سيرين: كان الرجل يقرأ حتى يقول الرجل لصاحبه: كفرت بما تقول … وأن ناسًا بالعراق يسأل أحدهم عن الآية فإذا قرأها قال: ألا أني أكفر بهذه، ففشا ذلك في الناس (14).
فأنت ترى أيها القارئ الكريم أن الخلاف نجم من اختلاف القراءات وليس من اشتمال القرآن على الأمر والنهي والحلال والحرام والوعد والوعيد، والمواعظ والأمثال، أو إظهار الربوبية وإثبات الوحدانية وما إلى ذلك، فهذه لا يعقل أن تكون مصدر اختلاف وتخطئة وتكفير.
ولعل من أحسن ما نستنير به في هذا المقام، ويرفع كثيرًا من اللبس والغموض، أن نرجع إلى كتب القراءات، والتي من خلالها - أعني القراءات- يتضح لنا ويتحدد ما كان سبب اختلاف الصحابة ومن وراءهم.
ولنأخذ منها سورة الفرقان - نموذجًا - لأنها التي نصَّ عمر على سماعه هشام بن حكيم يقرؤها على حروف كثيرة لم يُقرئه الرسول صلى الله عليه وسلم.
لقد أحصى مصنِّف كتاب "التيسير" الإمام أبو عمرو الداني في قسم فرش الحروف (15) منه نيِّفًا وعشرين كلمة، اختلفت القراءات السبع المتواترة في وجوه قراءتها بما يناهز خمسين وجهًا (16).
وفي كتاب "النشر في القراءات العشر" للحافظ أبي الخير محمد ابن الجزري ورد ذكر ما أثبته صاحب كتاب "التيسير" وزاد عليها تسعة ألفاظ أخر (17).
وقال ابن حجر في "فتح الباري": «ولم أقف في شيءٍ من طرق حديث عمر على تعيين الأحرف التي اختلف فيها عمر وهشام في سورة الفرقان … وقد تتبع أبو عمر بن عبد البر ما اختلف فيه