مجلة الحياة، العدد 8 (مبوبة) مجلة الحياة

التربية والتعليم في المغرب الأوسط خلال القرون الثلاثة الهجرية الأولى (7 ـــ 9م) الرؤية والمصادر

الجزء ١ · صفحة ١٢٥

حاضرة في هذه الحلقات الدعوية التعليمية.

ولعل بدايتها الأولى انطلقت مع فجر القرن الثاني الهجري / الثامن للميلاد، مع قدوم دعاة الإباضية والصفرية (10) والمعتزلة (11)، ثم استمرت بعد ذلك مع مذاهب المالكية والحنفية (12) وفي الربع الأخير من القرن الثالث الهجري/التاسع للميلاد، برزت الدعوة الشيعية ومجالسها التي سوف تثمر ثورة تنطلق من إقليم كتامة بالمغرب الأوسط وتتسع مشرقاً ومغرباً حتى تهيمن على كامل المغرب الإسلامي تقريباً مع نهاية القرن الثالث الهجري (13).

وإذا تعمَّقنا في هذه الرؤية الأولية، نلاحظ أن تيهرت عاصمة الرستميين، قد تكون أبرز وأهم مراكز التعليم في المغرب الأوسط خلال هذه الحقبة، ليس لأنها مركز التعليم والدراسات الإباضية فحسب، ولكن لأنها كانت مركز تعليم تعاليم المذاهب الأخرى كالمالكية والحنفية (14)، وربما المعتزلة والشيعة، إذ كانت لهم حلقتهم في مساجدهم ورحابهم مثلما كان للإباضية تماماً، وأكثر من ذلك نجد بعض المشايخ فتحوا بيوتهم (مدارس) و (معاهد) لنشر علوم اللغة العربية والحديث النبوي (15) بعيداً عن مجالس الدعوة والدعاة شبه الضيقة التي لا يأوي إليها إلا أصحابها وأتباعها.

لقد كانت تيهرت الرستمية في المغرب الأوسط كالقيروان في المغرب الأدنى أو فاس في المغرب الأقصى، و لعل دراستنا ستجلي جانباً من هذا الدور الكبير الذي لعبته تيهرت في عملية التعليم وسيتجلى للقارئ مدى البعد العميق والأثر الحضاري الذي تركته تيهرت في الأجيال من خلال عملية التعليم والتعلم.

إن هذه العملية المستمرة دون توقف يتراءى لنا أنها مرت بالدعوة الإسلامية عامة كبداية ثم تلقيناً للقرآن الكريم حفظاً لأداء الشعائر كالصلاة أو حفظاً من أجل حفظ كتاب الله وتلاوة كلامه، وذلك في المساجد بالنسبة للكبار وفي الكتاتيب التي ألحقت بالمساجد في وقت مبكر من الإسلام ببلاد المغرب الأوسط، بالنسبة للصغار، وهكذا وبتلقين كتاب الله، يتم من خلاله تلقين لسان العرب الفصيح نطقاً وتداولاً قبل أن يكون نحواً وصرفاً، فهذه العملية الأخيرة، يبدو لنا أنها لم تبدأ في المغرب الأوسط إلا مع بدايات القرن الثالث الهجري التاسع للميلاد، وفي مدينة تيهرت دون غيرها من المراكز التعليمية الأخرى، لأن تعلم اللغة العربية بقواعد النحو والصرف برز متأخراً في المشرق فضلاً عن المغرب واختصت به في البداية مدينتا البصرة والكوفة دون غيرهما من حواضر المشرق والمغرب الإسلاميين، وبعد فترة عم ذلك الاختصاص من التعليم الذي احتاج إليه العربي والبربري والأعجمي على حد سواء، ومن هنا كانت تيهرت إحدى مراكز تعليم اللغة العربية الفصيحة لما كثر اللحن في اللغة، بل إن طبيعة البلاد تقتضي وجود هذا التعليم جنباً إلى جنب مع كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهنا نلج مبحثاً آخر ونطرحه سؤالاً فنقول:

3 ـــ ما هي المواد المدرَّسة في التعليم بالمغرب الأوسط؟:

١٢٥ / ٢٦٨