مجلة الحياة، العدد 8 (مبوبة) مجلة الحياة

التربية والتعليم في المغرب الأوسط خلال القرون الثلاثة الهجرية الأولى (7 ـــ 9م) الرؤية والمصادر

الجزء ١ · صفحة ١٢٧

من النظرة الأولى، يبدو لنا التعليم ـــ في هذه الحقبة من الزمن ـــ بسيطاً بساطة المجتمع المغربي بعامة ومجتمع المغرب الأوسط بخاصة، إذ يشكل البتر وهم البدو، شطره الأكبر، وبساطة هذا التعليم، يمكن تبريرها أيضاً بوضعية العالم الإسلامي كله، إذا استثنينا منه كبريات الحواضر في الإسلام كمكة والمدينة والبصرة الكوفة وبغداد ودمشق والقيروان وقرطبة، فما عداها يظهر لنا أن التعليم فيها ابتدائي مبتدئ إن صحَّت العبارة، لم يرق بعدُ إلى اهتمام الحكام به ولا الإنفاق عليه، فالوقت جدُّ مبكر لهذا الإجراء، فالتعليم لم يكن منظماً ولا نظامياً، وإنما كانت تحتكم فيه رغبات الناس وميولهم بحسب اهتمامهم بالعلم وتلقيه، أو اهتمامهم بالعلم وتلقينه وإعطائه، فالأول طالب علم والثاني شيخ علم، ولا نعتقد أن زماناً خلا من الصنفين معاً في يوم من الأيام، ومن هنا وجدنا في مصادرنا التي بين أيدينا الكثير من طلاب العلم الذين انتقلوا من مواطنهم بحثاً عن العلم، كما وجدنا الكثير من المشايخ بل ومن الأئمة الذين جلسوا للعلم يعطونه في حلقاته بالمسجد أو حتى في بيوتهم.

لقد كان التعليم بالمغرب الأوسط في القرون الهجرية موضوع الدراسة، في بداياته الأولى، يضع الأسس لتعليم مستقل، فمن وجد في نفسه القدرة على التعليم تقدم وقصده طلاب العلم، ومن وجد في نفسه الرغبة في التعلُّم، تقدم نحو المشايخ للاستزادة من العلم، ويبدو لنا أن الرغبة كانت كبيرة في شباب تلك القرون لأخذ العلم، خاصة وأنه اصطبغ بالتنافس المذهبي والجدل الفقهي وحتى العقدي من خلال أصول كل مذهب من المذاهب الإسلامية التي كانت تتبارى في الساحة الإسلامية آنذاك.

ثم هل كان الأولياء يأخذون أبناءهم إلى الكتاتيب؟ في هذه المرحلة المتقدمة من التاريخ الإسلامي بالمغرب الأوسط أم كان المعلمون هم الذين يعرضون علمهم القرآني والحديثي على الأولياء من خلال رسالة المسجد التربوية التعليمية؟

سؤال يطرح نفسه هنا بقوة، ولا بد له من إجابة، قد نجدها في مصادرنا أو نجد ما يشير إليها عرضاً يحتاج إلى إعمال فكر وتخمين، وفي كلتا الحالتين ستعطينا أضواءً تخدم موضوع بحثنا الرئيس.

ثانياً: التعليم في المغرب الأوسط: المصادر

إن المصادر التي تناولت تاريخ المغرب الأوسط مستقلاً في قرونه الأولى قليلة جداً تكاد تنعدم، إلا أنها في عمومها هي تلك المصادر التي تناولت تاريخ المغرب الإسلامي عموماً مثل كتب الفتوح وكتب الطبقات، وكتب التاريخ العام أو التاريخ المذهبي وكتب الجغرافيا.

ورغم أن هذه المصادر تتناول المغرب الإسلامي عموماً إلا أننا نلاحظ عليها اهتمامها الأكبر بالمغرب الأدنى دون المغربين الأوسط والأقصى. وذلك راجع بالدرجة الأولى إلى وجود الدولة الموالية للخلافة الإسلامية بالمشرق كفترة الولاة (96هـ/184هـ) وفترة الأغالبة (104هـ/ 296هـ)، وكلتاهما كانت القيروان عاصمة لهما، فكان الاهتمام بهذا الإقليم وحدود دولة

١٢٧ / ٢٦٨