أسس التربية والتعليم بمعهد الحياة
الجزء ١ · صفحة ١٣٥التي تؤثر في اختصاص الطلبة.
فالمعاهد الفلاحية مثلاً يجب أن تبنى وسط حقول وبساتين يُنشئها الطلبة بأنفسهم ويُطبقون فيها ما تعلَّموه نظريًّا، وهكذا بالنسبة للمعاهد العلمية بحيث يشاهد الطالب بحواسه ما استوعبه بفكره، وهذا ما أدَّى بمشايخنا إلى اختيار المساجد لتدريس المواد الدينية وإقامة دور العلم بجوارها كما وقع بالنسبة لمعهد الحياة.
يقول الشخ محمد علي دبوز رحمه الله: «معهد الحياة يعتني بالتربية الدينية والخلُقية كلَّ الاعتناء، ويتوسَّل في ذلك بكلِّ الوسائل، ويغرس الدين والخلق في تلاميذه بكلِّ الأسباب، ومن أهمِّها البيئة الدينية الصالحة التي يعيش فيها الطلبة. والمسجد بمعانيه ووقاره وما يشعر الطالب فيه، من أكبر الأسباب التي تقوِّي فيه الروح الدينية وتُعوِّده الذكر لله كلَّ حين، وتجعل طلبه للعلم لوجه الله الكريم، وإذا كان الدين المكين هو أساس كلِّ الأخلاق الفاضة الثابتة، فبيئة المسجد هي أقوى عاملٍ في خلق الدين في النفوس» (4).
وهذا تأييدًا لما قاله الشيخ بيوض عندما ألقى كلمة بمناسبة توسيع معهد الحياة وهو بجوار المسجد (5): «لقد آثرنا أن يكون معهدنا بجانب المسجد متَّصلاً به لينشأ أبناؤنا في جوٍّ ديني يصبغهم، في استطاعتنا أن ننشئ معهدًا فخمًا واسعًا في الضاحية الجميلة، ولكن هذا المعهد لا يكون له بعض الفوائد التربوية الكبرى التي هي لهذا المعهد الذي يملؤه المسجد بروحه. إنَّ بعض الناس الذين لا يعرفون، يحكمون بعيونهم لا بعقولهم وعلمهم، فيُؤثرون القشور الفارغة ويزرون بالسلف الصالح الذين اختاروا لمعاهدهم أن تكون بجوار المسجد، إنَّ أولئك الأغرار لا يعرفون شيئًا وإن ادَّعوا المعرفة».
وفعلاً هذا ما أثبته التاريخ وأظهرته الأيام بأن المسجد قد حافظ على كيان المعهد وأثَّر تأثيرًا كبيرًا في طلبته، والفضل الكبير يرجع إلى الهيئة التدريسية التي كان ينتقيها الشيخ بيوض ويكوِّنها ويغرس فيها من صفاته حتى تصبح جديرة بلقب "الهيئة التدريسية الصالحة". لنتعرَّف الآن على الأستاذ الصالح بمعهد الحياة.
الأستاذ الصالح:
من المعلوم أنَّ الكفاءة في التدريس ليست كلَّ شيءٍ خاصَّة في هذا العصر الذي كثر فيه حاملوا الشهادات وذوو الكفاءات، ولكن ما تتطلَّبه التربية الحديثة الآن هو الصلاح. يقول أحد المربين المحدثين الذي مارس التربية والتعليم بعد أن حاز على شهادات عليا في تخصُّصه هذا: «إنَّ المعلمين الصالحين في جميع الأقطار العربية هم الأقليَّة بين أفراد الهيئة التعليمية لا الأكثرية كما يخيَّل إلى بعضنا، وهذه حقيقة جارحة بل مؤلمة، وهذه الحقيقة لمستها بنفسي خلال خدمتي في حقل التربية والتعليم ـــ الرسمي والخاص ـــ مدَّة طويلة، أمَّا أسباب هذا التدهور في كفاءات المعلمين