أسس التربية والتعليم بمعهد الحياة
الجزء ١ · صفحة ١٣٦فعديدة، ولعلَّ في طليعة تلك الأسباب أنَّ المسؤولين في وزارات المعارف وإدارات المعاهد العلمية لا يشدِّدون على شخصية المعلِّم عند انتقائه والتعاقد معه، فكأنَّهم بذلك "يُعَيِّنون" الشهادة لا حاملها».
وفي هذا الصدد يقول الشيخ محمد على دبوز (6): «كان الشيخ بيوض منذ افتتاح المعهد يتمنى له الاتساع وأن يكون فيه أساتذة كثيرون من أبنائه، وكان يبوح لخاصَّته وتلاميذه النبغاء بهذه الأمنية في كلِّ مناسبة، وكان يتمسَّك بالنبغاء والموهوبين من تلاميذه في المعهد، ويُعِينهم بكلِّ وسائله لينضجوا في العلم ويعطوا أنفسهم له، فيجعل منهم أعوانه وخلفاءه في المعهد، وقد حقَّق الله آمال الشيخ فنبغ من تلاميذه في العلم طائفة حملت الأثقال معه، وتولَّت التربية والتعليم في معهد الحياة».
إذن فالشيخ بيوض كان يلقِّن أساليب التربية الصالحة لتلاميذه نظريًّا وعلميًّا، بل عمليًّا أكثر، وهذا ما يصوره لنا الشيخ محمد علي دبوز (7): «كان الشيخ بيوض وثيق الصلة بتلاميذه، يقضي معهم معظم الوقت، وكان يحبُّهم ويأنس بهم، يتمنَّى ألاَّ يفارقوه، وإذا غاب أحدهم قلق لغيابه وسأل عنه، وكان يتنزَّل إلى مستواهم فيُشاركهم وجدانهم ويداعبهم ويرفِّه عنهم، ويعاملهم معاملة الأصدقاء المقرَّبين».
ويقول: «انظر إلى صفائه ونقاء صدره وشدَّة حبه لتلاميذه في قوله في إحدى توجيهاته: "يسرُّني أن أرى بعضًا منكم رأس جماعات، ويتصدَّر المجالس ولم يظهر له شارب"، وفي قوله: "أريد من كلِّ واحدٍ منكم أن يكون له أثر في المركز الذي يوجد فيه. لا أريد أبدًا أن يكون كمية مهملة تمرُّ الشهور والأعوام ولا يُحسُّ له أثر، ولا يُسمع له صوت، ولا يظهر له عمل"» (8).
بهذه التوجيهات النظرية، وبهذاالتكوين العملي يكون الشيخ بيوض قد وضع الأسس الصحيحة لتكوين الأستاذ الصالح الذي لا ينشده المعهد فقط بل الدولة العربية، بل المنصفون من رجال التربية الحديثة، يقول أحدهم في هذا الصدد: «أهمُّ ما يجب أن يتوفر في الكفاءات العلمية والمسلكية والخلقية، ولكن الناحية التي تشدد عليها التربية الحديثة وتفترض وجودها عند المعلِّم الصالح بجانب ثقافته العامَّة وتمكُّنه من مادَّته الدراسية هي فهمُه للجو الثقافي الذي تتم فيه جميع عمليات التربية والتعليم، والخصائص المسيِّرة للمجتمع الذي يعيش فيه تلاميذه، وعليه أن يكون قادرًا على فهم المشاكل الحديثة في ضوء الظروف التاريخية، وأن يتعرَّف على الطبيعة الراهنة لكثير من الشؤون التربوية».
وهذا ما ينطبق فعلا على الأساتذة الذين تداولوا على تحمُّل مسؤولية التربية والتعليم في معهد الحياة.
بعد ان تعرَّفنا على المدير وعلى الهيئة التدريسية، لنطَّلع على منهج التدريس بمعهد الحياة، وعلى