المصاحف العثمانية والأحرف السبعة
الجزء ١ · صفحة ١٤ذلك قوة حوافظهم التي كانت أشبه بآلات التسجيل، لا تغادر صغيرة ولا كبيرة إلاَّ أحصتها.
ويجدر بي في ختام البحث أن أختصر بعض الحِكم - ممَّا دوَّنته بعض كتب علوم القرآن- من نزول القرآن على أحرف سبعة:
أولاً: تيسير تلاوته على الناس؛ فإن القرآن - وإن كان نزل بلسان عربي مبين - فإن العرب كانت لهجاتهم شتى وبينها فروق كثيرة، فلو حُملوا على قراءة القرآن بحرف واحد أو قراءة واحدة لنالهم عنَتٌ وحصلت مشقَّة. هذا ما كان من شأن العرب الذين شوفهوا بالقرآن في عصر النبيء صلى الله عليه وسلم، فكيف بمن وراءهم من العجم الذين دخلوا في دين الله أفواجًا وأمما، ثم كيف حال من أتى من بعدهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .. والإسلام دين الكافَّة، والقرآن دستوره الخالد ومعجزته الباقية؟ فليقرأه كلُّ جيل وكلُّ أمة بما سهل على لسانها.
ثانيًا: إنَّ في تعدد وجوه القراءات - وهي مندرجة في الأحرف السبعة - ما يوضح مراد الشارع من الآية إذا كان فيها لفظٌ يحتمل أكثر من معنى، فتكون إحدى القراءات على بعض الوجوه المغايرة بمثابة القرينة التي ترجح بعض الأقوال الفقهية على البعض الآخر، وذلك كقوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَوْ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ اَوُ اخْتٌ من أمٍّ﴾ فتبيَّن بهذه الزيادة في هذه القراءة أنَّ الإخوةَ في هذا الحكم الإخوةُ للأم دون الأشقَّاء ومن كانوا للأب.
ثالثًا: قد يفيد اختلاف القراءات دفع توهم ما ليس مرادًا من كلام الشارع كقوله تعالى: ﴿يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِنْ يَّوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (21)، وقرئ ﴿فامضُوا إلى ذكر الله﴾، فقد يتوهم من القراءة الأولى وجوب السعي إلى الصلاة، وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم أن نأتيَ الصلاة ونحن نسعى، ولكن القراءة الثانية رفعت هذا التوهُّم (22).
رابعًا: في تعدد الأحرف ووجوه القراءات صورة من صور إعجاز القرآن، وفيه تحدٍّ لكل القبائل العربية، فلو أتى بلغة دون لغة لقال الذين لم يأت بلغتهم "لهجَتِهِم" لو أتى بلغتنا لأتينا بمثله (23).
خامسًا: إن اختلاف وجوه القراءات حمل النحويين على توجيهها، فأغنى هذا التوجيه اللغة العربية؛ قال الزركشي: «وهو فن جليل، وبه يعرف جلالة المعاني وجزالتها، وقد اعتنى الأئمة به وأفردوا فيه كتبًا … وكلٌّ منها قد اشتمل على فوائد» (24).
هذا ما يسَّره الله لي في هذا الموضوع الصعب، وأرجو أن أكون شاركت - ولو بجهد المقلِّ - في إزاحة الغموض عن بعض جوانبه، وما كان صوابًا فمن الله وبفضله ورحمته، وأحمده عزَّ وجل على ذلك، وما كان فيه من خطأ أو وهم فمني وأرجو من الله عفوه ومغفرته، ولا أعلم أنَّ الله عزَّ وجل أعطى أحدًا من خلقه حفظًا من الغلط، وأمنًا من الخطإ والنقص والتقصير، إلاَّ من عصم. ولله الحمد أولاً وآخرًا، والحمد لله رب العالمين.