مجلة الحياة، العدد 8 (مبوبة) مجلة الحياة

أسس التربية والتعليم بمعهد الحياة

الجزء ١ · صفحة ١٤٣

تتماشى مع ما يسعى إليه علماء التربية الحديثة؛ إذ يقول أحدهم في هذا الصدد: «لم تعد مهمة المدرسة الحديثة تلقين المعلومات والإعداد للامتحانات بل تهيئة جو الصفِّ والمدرسة ومواقف المتعلم على نحو يكفل النمو السليم لشخصيات الطلاب في المراحل المختلفة، وتجنب ما يعطل هذا النمو، وتنمية العلاقات الإنسانية السليمة القائمة على التعاون وإيثار الغير، والتسامح والمودَّة، لأجل هذا تهتمُّ المدارس الحديثة بالمتعلمين قبل أن تهتم بمواد الدروس، أي تهتم بالأحياء قبل أن تهتم بالأشياء. فالطالب هو مركز الاهتمام ومن دوافعه وحاجاته المختلفة تبدأ عملية التعلم على أساس نشاطه الذاتي، ويتمشَّى مع هذا الاهتمام بالطالب مع مراعاة ما بين الطلاب من فوارق عقلية ومزاجية على قدر المستطاع» (23).

لنقارن هذه النظرية الحديثة بما وقع في معهد الحياة؛ قال أحد تلامذة معهد الحياة القدماء في موضوع الامتحانات وكيفية تقييم الطلبة (24): «لم تكن في معهد الحياة آنذاك امتحانات كما هي الآن، كانت العلوم تُتقن بالمطالعة والمراجعة المتكررة وبحفظ المتون، وكان نضوج الطالب في العلم يظهر بأعماله كلِّها في مدَّة طويلة، ثمَّ يُجيزه الشيخ بيوض وناظر المعهد وإدارته من كبار الطلبة هم الذين يرتبون التلاميذ في طبقاتهم (سنواتهم)، فإذا ختموا الكتاب في علم أذنوا للأقوياء الناجحين بالارتقاء إلى طبقة أعلى، وأمروا الضعفاء بإعادة الكتاب أو جزءٍ منه. إنَّهم يعرفون التلاميذ معرفة تامَّة، وترتيبهم عادلٌ رشيد لا يظلم أحدًا. وكانت إجازة الشيخ لا ينالها إلاَّ الأفذاذ الراسخون في العلم ذوو النضوج في العلم والصلاح في الخُلق. إنَّها أقوى وأدل على العلم من الشهادة المدرسية التي يسفر عنها الامتحان في معاهد هذا اليوم».

بهذه الطريقة نجد أن معهد الحياة قد ابتكر طريقة لا سبيل للغبن إليها، ذلك أنَّ مقياس النجاح واضح؛ وهو إتقان المقرر والسلوك الحسن، والنضوج في العلم، أمًّا الفاحصون والممتحِنون فهم مدير المعهد وناظره والأساتذة، وهؤلاء كلُّهم لا يجيزون للطالب أن ينتقل إلى طبقة أخرى إلاَّ إذا اتفقوا كلُّهم على ذلك، ولا دخل للعاطفة ولا للآراء الشخصية في تقييم الطالب، بهذا يكون المعهد قد نفى الأسباب التي هي مظنَّة الغبن للطالب.

وسائل الإصلاح في معهد الحياة:

نجد كلمة "الإصلاح" عوضًا عن كلمة العقاب أو الجزاء، وذلك لأنَّ علماء التربية اتفقوا على أنَّ الغاية من معاقبة الطالب هو إصلاحه؛ وهذا معقول، لأنَّه إذا لم يكن كذلك فإنَّه يصبح انتقامًا، وتحاشيًا لهذا حرَّم بعض المربين العقوبات البدنية في المؤسسات التربوية؛ يقول أحد المربين في هذا الصدد ما يلي: «من المعلوم أنَّ الحكمة العدلية تقاصص المذنب أو المجرم لتنتقم منه للهيئة الاجتماعية والقوانين الدولية أوَّلاً، ولتجعله عبرة وعظة لغيره كي لا يعمل مثله ثانيًا، أمَّا المدرسة فإنَّها تقاصص المذنب كي تُحسِّنه وتُصلحه، وقد تقاصصه أحيانًا ليعتبر به رفاقه».

١٤٣ / ٢٦٨