الصدق في العمل الاجتماعي أو دستور خير أمة
الجزء ١ · صفحة ١٥٤الذات، وعلى الآخرين سيلازمنا، وسندَّعي بالضرورة أنَّه بالإمكان صنع طائرة، بل صاروخ معقَّد بدون علم.
نعم، سنصنعه: لكن بالكلمات، أو سنبنيه حقيقة، لكنه سيكون بمثابة الصاروخ الحديدي الأجوف الذي يزيِّن الجزائر العاصمة في إحدى طرقاتها السريعة.
والسؤال الدقيق هو: هل توجد مراكز للبحث العلمي في الأمَّة (للجمعيات، والنشاط الاجتماعي … )؟ وكم من مشاريع أسِّست بعد دراسة علمية معمَّقة، معتمدة الإحصاء، والتحليل، والتخطيط … ؟
ثم، بعد ذلك نقنع أنفسنا بأنَّ الأمَّة المسلمة اليوم متحضِّرة، وبأنَّ مشاريعنا ستنجح لا محالة، وبأنَّنا بلغنا الغاية والمنتهى، أليس هذا خطأ فادحا لا يرتكبه الصادق، الصدوق، ولا العالم الورع العامل؟.
الغاية:
كلُّ هيئة أو جمعية تفتقد الغاية هي جمعية فاشلة أساسا، ولا معنى لوجودها ابتداء، فالغاية هي المحطَّة الأخيرة التي يراد الوصول إليها من خلال هذه الحركية، وهذا الجهد.
ومن المفروض أن تكون غاية الفرد المسلم، ومن ثم الجماعة المسلمة واضحة بيِّنة، لا خلل فيها ولا تردُّد، ذلك أنَّها من الثوابت والمبادئ، تضرب جذورها في العقيدة وعلم التوحيد والإيمان.
ففي القرآن الكريم، كلُّ غاية المخلوق هي: نوال رضا الله تعالى.
﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام:162)، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56).
وليس أيسر أن نتحدَّث عن هذا المعنى، ونلقي فيه دروسا مسجدية، أو محاضرات في ملتقيات ثقافية، وأصعب منه أن نرسِّخ هذا المفهوم حقيقة في حياة الفرد اليومية، وفي نشاط الجمعيات والهيئات، حتى يصير مرجعا لكل عمل يقوم به أيُّ عضو مهما علا منصبه أو سفل، بغض النظر عن أيِّ اعتبار.
فالفكر الغربي اليوم، على قوته وتفوقه، يفتقد الغاية من جميع أعماله، ولذا فهو يتخبط خبط عشواء، لا يهديه دليل ولا مرشد، فيبحث عن سر قلقه وفشله، ولا يجد، لأنَّه تنكَّر لله تعالى، فأضاع الغاية بالتبع، وأمَّا المجتمع المسلم، فهو وإن كان مؤمنا بالله تعالى، إلاَّ أنه يعاني الانفصام في الذات، فالغاية هي رضى الله تعالى في العبادات والصلوات والشعائر، وإذا التحق بالأمور التي يسميها "دنيوية" مثل الوظيف، والتجارة، والسياسة، والسياحة … فإنه يتنكَّر لهذه الغاية، ويبني غايات أخرى من ورق أو تراب، ولذا فإنه لا يصل عادة إلى بر الأمان.
الأهداف: