مجلة الحياة، العدد 8 (مبوبة) مجلة الحياة

الصدق في العمل الاجتماعي أو دستور خير أمة

الجزء ١ · صفحة ١٥٥

يقول المفكر العالمي، والسياسي المحنك محمد مهاتير، رئيس دولة ماليزيا الفتية: «إنَّ النجاح يعتمد على وجود حكومة رشيدة، وإدارة حسنة التنظيم، تحدد أهدافا واضحة» ثم يضرب مثلا بحكومته التي حققت نجاحات كبرى في العقود الأخيرة من القرن الماضي، وقال: «لدى الحكومة الماليزية هدف واضح، نسميه "رؤيا عام 2020": أن نكون في عداد الدول المتقدِّمة عندما يحين ذلك التاريخ». وهذا ما أعطى بلده قدرة على الانطلاق، وثقة في النفس، فقال: «وسيكون بوسعنا ذلك، إذا ركِّز الناس على هذا الهدف». أمَّا الدول العربية فلم تبرح مكانها، ولا تغادر محطَّتها، ومن أبرز الأسباب: فقدان الأهداف. يقول مهاتير: «إنَّ الدولة التي لا تعرف بالتحديد إلى أين تسير لن تنجز كثيرا في الغالب» (6).

فلو طبقنا هذا المفهوم على مجتمعاتنا المحلية، وعلى مدارسنا، وعلى جمعياتنا، وعلى هيئاتنا، فإننا نطرح سؤالا صريحا واضحا هو: ما هي أهدافها، القريبة والمتوسطة والبعيدة؟

بل، هل لها أهداف واضحة أساسا؟ وهل لبعض روادها ومنشئيها أدنى فكرة عن مفهوم الأهداف، وعن طرق صياغتها، ومناهج تقييمها … ؟

من المؤكد أنَّ منظومتنا التربوية لا تدرج مادة "تحديد الأهداف" ضمن برنامجها، لا في المدارس الرسمية، ولا في المدارس الحرة، والنتيجة المنطقية أن يتخرج طلبة وإطارات لا يفهمون في موضوع الأهداف شيئا، ولا يملكون الملكة ولا القدرة على تطبيقها في المؤسسات التي يديرونها ويترأسونها. فتنشأ بالتبع مؤسساتها معتبرة قيمة، لكن لا هدف لها، ويتأثر تبعا كل أفراد الأمة، والأمة جمعاء.

يقول المفكر عبد الكريم بكار في كتابه القيم "عصرنا والعيش في زمانه الصعب": «قضية وجود أهداف واضحة في حياة المسلم المعاصر، من القضايا الكبرى التي لا تحتمل التأخير» (7).

فمن تمام الصدق أن نعمل جاهدين على إحلال مفهوم العمل بالأهداف، طلبا للإنجاز، وابتعادا عن الادعاء والافتراء، واختصارا للجهود والطاقات، وضمانا للنتائج الإيجابية، والتفوق المبين. فإنَّ أمَّتنا في أمسِّ الحاجة إلى كلِّ ذلك، إذا أرادت أن تصل إلى مقام الانتصار والنصرة، وإلى درجة التمكين في الأرض.

الأولويات:

أبدع الفكر الإسلامي علما دقيقًا هو: فقه الأولويات. وهو مسمًّى جديد لفقه مراتب الأعمال. كما أنَّ الفكر الغربي قد أبدع علما هو: علم إدارة الأولويات، وهو من العلوم المعاصرة، التي حظيت بالقبول والنجاح الباهر في المؤسسات الغربية، وساهمت في النجاح المادي لها.

ولا يختلف اثنان أنَّ فقه الأولويات، للأسف، لم يغادر عمل "الفقهاء والأصوليين"، فبقي حبيسا عن عامة المسلمين، وعن مناهج التربية، وعن العمل السياسي والاجتماعي، وبخاصة في عصرنا هذا. «ومن نظر إلى حياتنا في جوانبها المختلفة - مادية كانت أو معنوية، فكرية أو اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية أو غيرها - وجد ميزان الأولويات فيها مختلا كل الاختلال.

١٥٥ / ٢٦٨