مجلة الحياة، العدد 8 (مبوبة) مجلة الحياة

الصدق في العمل الاجتماعي أو دستور خير أمة

الجزء ١ · صفحة ١٥٦

نجد في كل أقطارنا العربية والإسلامية مفارقات عجيبة.

ما يتعلَّق بالفن والترفيه مقدَّم أبدا على ما يتعلَّق بالعلم والتعليم … الخ» (8).

وبشيء من الصدق نلاحظ أنَّ عملنا الاجتماعي يكاد يخلو من الأولويات، فلا توجد لدى القائمين عليه قواعد لبناء الأولويات، ولا ضوابط لقياسها، فتجد الكثير منهم يتيه في أمور لا قيمة لها، ويغفل عن أمور جوهرية، فيتخبَّط الأتباع وراءه بلا علم ولا إدراك.

فمن ذلك مثلا، أن تؤسس جمعية ما، ثم تشتغل بالأمور التنظيمية لمدَّة طويلة، فتصوغ اللجان، وتحدد المهام، وتقسم المناصب … ثم إذا تم لها كلُّ ذلك، كفَّت عن العمل، وقد تدخل في صراعات لا نهاية لها، لتحديد ما ينبغي أن ينجز وما ينبغي أن يترك. ولا يملك المختلفون في غالب الأحيان ولو أدنى معرفة بالأولويات سواء من الناحية الفقهية أو من الناحية الإدارية.

ومن بين المطالب العمليَّة نذكر:

*إخراج فقه الأولويات إلى دائرة الأمة، وتعليمه لجميع الناس.

*إدراج مواد مثل: "فقه المقاصد"، "وفقه الأولويات" … في المنظومة التربوية، بمناهج معاصرة.

*الاستفادة من "إدارة الأولويات"، في إدارة المشاريع، بناء على أسس "فقه الأولويات".

*تنظيم دورات تدريبية للمشتغلين بالأمور الاجتماعية في هذه العلوم.

التخصُّص:

كم يكون مضحكا ومدعاة للعجب أن نرى طبيبا لا علم له بالحدادة ومداخلها، يلبس ثياب الحداد ويفل الحديد!

وكم يكون مقلقا ومبعثا للاستنكار أن نرى جزَّارا يقوم بعملية جراحية معقَّدة!

فالتخصص من بديهيات الحياة التي لا تفوت على عاميٍّ بله عالم أو حكيم، ولكنَّ الغريب أنَّ الناس إذا دخلت المجال الاجتماعي تغيرت عندها الموازين، وقبلت كلَّ تلفيق من كلِّ إنسان، حتى إنها لتضع قاعدة لها: لِيعمل من شاء، ما يشاء، متى يشاء، وكيفما يشاء؛ لأنَّ العمل الاجتماعي في نظرنا القريب هو نوع من الهواية، ولا يملك المقاييس الدقيقة، ولا تظهر آثاره الآنية …

فلو صدق العزم، لعلم الناس أنَّ الضرر من الخطأ الناجم عن عدم التخصص في العمل الاجتماعي أعمق وأخطر من الضرر الناجم في كل مجال مادي آخر، وأنَّ التخصص في بعض المجالات قد يكون من قبيل الواجب، لا جائزا ولا مندوبا. فمن ترك الواجب وقع في الحرام لا ريب، ومن وقع في الحرام استحقَّ المعصية، ولا شكَّ.

وأبسط مثال على ذلك: أن يحاول أحد، وليكن رئيس هيئة عرفية أو مسؤولا في جمعية خيرية، أن يصلح بين اثنين تخاصما في قضية من قضايا "فقه المعاملات"، ويصدر أحكاما لهذا أو ذاك، وهو لا يملك أدنى معرفة أو علم بهذا الفقه، وقد يخطِّئ المصيب ويصوِّب المخطئ، كما قد يحلُّ حراما أو

١٥٦ / ٢٦٨