الصدق في العمل الاجتماعي أو دستور خير أمة
الجزء ١ · صفحة ١٥٧يحرِّم حلالا. والمبرِّر هو: أنني أعمل متطوعا، ونيتي خالصة، فأنا معذور!
ولا أحد من العقلاء يقول بعذر الجاهل، فالقرآن الكريم مشحون بآيات يفهم منها وجوب احترام التخصص، فعلى سبيل المثال نقرأ قوله تعالى: ﴿ … فاسْألُوا أهلَ الذِّكرِ إِنْ كُنتُم لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 43)، ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنهُ مَسْؤُولاً﴾ .. (الإسراء: 36)
أمَّا الحديث النبوي الشريف فقد ضرب لنا أروع مثال في التخصص، حتى في أبسط جزئيات الحياة، مثل تأبير النخل، فجاء في مسند أحمد عن عائشة: «أنًّ النبي صلى الله عليه وسلم سمع أصواتا فقال: ما هذه الأصوات؟ قالوا: النخل يؤبرونه يا رسول الله. فقال: لو لم يفعلوا لصلح. فلم يؤبروا عامئذ، فصار شيصا (9)، فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: إذا كان شيئا من أمر دنياكم فشأنكم به، وإذا كان شيئا من أمر دينكم فإليَّ» (10).
فالقاعدة إذن هي: كلٌّ قمَّة في تخصُّصه، وقاعدة في تخصُّص غيره. حتى في حق الرسول صلى الله عليه وسلَّم، فقد اعترف - وهو الصادق الأمين - أنَّه غير متخصص في "أمور دنياهم"، وأوكل شأنها إليهم، أمَّا أمر الدين، فهو المتخصص فيه، وهو المرجع الوحيد، «وإذا كان شيئا من أمر دينكم فإلي»، ويذكر السرخسي «أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما يوما وقد شاورهما في شيء: قولا، فإني فيما لم يوحَ إليَّ مثلُكما» (11). وقد فهم الصحابة رضي الله عنهم هذا المعنى فكانوا يسألون الرسول في بعض الأمور: أهو الرأي والمشورة، أم هي الحرب والخديعة. فإذا كان وحيا لم يناقشوا، وإن كان غير ذلك أبدوا رأيهم.
التفرُّغ:
إنَّ العمل يستغرق الوقت الضروري الذي لا يمكن إنجازه دونه، فمن أبسط جزئيات الحياة إلى أعقدها يقف الوقت في حجر الزاوية، ويتطلب من الزمن أدناه، فمن ذلك مثلا: نضجُ الثمرة وصلاحيتها للأكل. ولو أنَّنا حاولنا استعجال العملية، فلن نحصل على النتيجة المرجوة، وستكون الثمرة مضرة غير نافعة. ومن ذلك ميلاد الجنين في مدة تسعة أشهر، وكل محاولة للاستعجال - غير الطبيعي - هو إضرار بالأم وبالابن، وإفساد للطبيعة، وتغيير لخلق الله تعالى.
وبالمقابل فإنَّ كلَّ عمل اجتماعي يحتاج إلى وقت ضروري، وإلى حدٍّ أدنى في عدد من الساعات الفردية والجماعية، ولكن بعض الجمعيات والهيئات التي تضطلع بأعمال كبرى، تحتاج إلى تفرغ وإلى وقت كبير، فتحاول أن تتعامل معها بمجرد اللقاءات المتتابعة أو المتباعدة، والأعمال الآنية والظرفية، ثم تنتظر بعد ذلك نتيجة مقبولة ومحترمة، وما ذلك إلاَّ نوع من الجهل والخبال.
فجمعية تهتم - مثلا - بالطفولة في مدينة معيَّنة، وتسطِّر برنامجا طموحا، دونه برامج الحكومات والدول، لا يمكن بأيِّ حال من الأحوال إنجازه بأقلِّ عدد من الأخصائيين المتفرغين لذلك البرنامج،