الصدق في العمل الاجتماعي أو دستور خير أمة
الجزء ١ · صفحة ١٥٨بعمل يومي متواصل، لعدد من الأشهر أو السنوات أو العقود ضروري …
ثم إذا مرَّت مدَّة من الزمان، ولاحظ الجميع أنِّ العمل بدأ يتناقص، والنتائج لا تؤذن بالخير، حاولوا تغطية الأمر بالمبادرات الآنية الضيقة، مثل إقامة مهرجانات وملتقيات، ثم الخروج بتوصيات لا حدَّ لها … وهكذا يدخل العمل الاجتماعي في دوَّامة لا تنتهي، ولا يحقق أقلَّ القليل من أهدافه، فيكون الفشل رائده، والقلق سمته.
ولقد نتأت ظاهرة خطيرة في بعض المجتمعات، وهي: الادعائية، وتضليل الناس بنتائج وهمية كاذبة، وتبني أعمال العاملين لملء قائمة المنجزات السنوية، ويصل الحال في بعض المجالات إلى إنشاء ما أسميه بـ: "جمعية الجمعيات". وهي محاولة مضللة لاحتواء جميع من يعمل في مجال معين، تحت عنوان كبير هو: جمعية الجمعيات، وما المسألة في حقيقتها سوى تبنٍّ سافر لجهود العاملين، وبحث واضح عن الشهرة والمكانة، بدون عمل، ولا ساعات كافية من التفاني والجهد.
العمل الجماعي:
شتان بين "عمل الجماعة" و"العمل الجماعي"، فالأول مثل تكالب عدد من الأسود مجتمِعةً على جيفة الفريسة، كل ينهش لجواره، ويسوق اللحم إلى جنبه؛ والثاني مثل تناسق النمل في حمل مؤونتها، ولو كانت أكبر منها بعشرات المرات، فهي تعمل بإيقاع عجيب، وتسعى لوجهة واحدة، تحت قيادة موحدة، بأوامر واضحة دقيقة.
وهذا ما يفسر سرعة فناء الفريسة، وطول مدة المؤونة …
فالعمل الجماعي يمثل فكرة "توجيه الطاقة" في أعلى صورها، فهو «قوَّة في الأساس، وتوافق في السير، ووحدة في الهدف … والتوجيه هو تجنب الإسراف في الجهد وفي الوقت» (12).
ولقد بات العمل الجماعي اليوم فنًّا وعلما قائما بذاته، ساهم في تطوير المدنية الغربية، وظهرت فيه مدارس ومناهج بديعة، لعلَّ أبرزها: المدرسة اليابانية، والمدرسة الأمريكية.
وهو قبل ذلك مبدأ أصيل في الفكر الإسلامي، ومطلب شرعي يصل إلى حدِّ الوجوب أحياناً، واللزوم في بعض المواقف، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الاِثْمِ وَالعُدْوَانِ﴾ (المائدة:02)، وقال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: 159).
كما بيَّن للرسول صلى الله عليه وسلم أنَّ أساس العمل الجماعي هو المشورة واحترام رأي جميع أفراد الجماعة، قال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُم وَشَاوِرْهُمْ فِي الاَمْرِ … ﴾. (آل عمران: 159)
ولقد طوَّر المفكرون طرق العمل الجماعي ومناهجه، وألَّفوا فيه كتبا عديدة، وصاغوا قوانين وقواعد للعمل بديعة، فأثمر كل ذلك آثارا حميدة، ولا أدلَّ على ذلك من الاختراعات التي توصلت إليها مراكز البحث العالمية، ومن الموسوعات الكبرى التي شارك في تأليفها المئات من العلماء من مختلف التخصصات (13).