الصدق في العمل الاجتماعي أو دستور خير أمة
الجزء ١ · صفحة ١٥٩وقد سبق أن سألت صديقا لي يدرس في جامعة فرنسية بمدينة "بواتيه" عن انطباعه لأول عام، فقال: أمَّا نحن الجزائريون فأقوى في الجامعة من الفرنسيين الذين ندرس معهم فرادى، أمَّا إذا اجتمعنا فنحن أضعف منهم، فهم ينمُون ويقوَون ببعضهم بعضًا، أمَّا نحن فنتناقص ونضعُف ببعضنا بعضًا.
التقييس:
كيف نقيس كفاءة الفرد في عمل معين؟ ومن يقيس؟ وما هي المعايير؟ …
هذه أسئلة تستتبع أخرى، تصبُّ في مفهوم التقييس، وهذا محاولة أولى لتأصيله وتقنينه.
مقياس الترشيح والتكليف:
تقوى الله تعالى: فليس من المعقول أن يرشَّح أحد لأيِّ منصب كان، سواء أكان منصبا سياسيا أم اجتماعيا وهو مستهتر في دينه، ظالم لنفسه، عاص لربِّه، ذلك أنَّ معصيته لا تقف فيه، بل ستعصف بكلَّ المجتمع الذي يترأَّسه. وقد سبق أن رشِّح أحد لمنصب سياسيٍّ، وهو مع ذلك مقترف لجرم عظيم لم يتب منه، وسارع بعض الناس لتبرير ذلك، بقولهم: إنه سياسي محنَّك، ويعرف كيف يدافع عن الحقوق! فلم يراعوا في قولهم هذا: دينا، ولا عقيدة، لا شريعة … ولم ينتبهوا إلى أنهم خرقوا مدلول الولاية والبراءة، وهما من أصول الدين. قال صلى الله عليه وسلم: «الحب في الله والبغض في الله أوثق عرى الإيمان»
مقياس القوَّة ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ (القصص:26). إنَّ تولية الضعفاء أمور الأمًّة نوع من الخطل والخطأ، ووأد للنجاح والانتصار، ذلك أنَّ الضعيف بمفرده يتحمل تبعات ضعفه، أما الضعيف الذي يتحمل المسؤولية فإنَّ ضعفه يتعدَّى ذاته، ويؤثِّر في غيره.
وليس الضعف ـــ كما قد يتبادر إلى الذهن أول وهلة ـــ ضعف الجسد فقط، بل إنَّ ضعف الإيمان، وضعف الخلق، وضعف الشخصية، وضعف العقل، وضعف العلاقات والاتصال، وضعف النظر إلى المستقبل … كل أولئك يورث المصائب والانتكاسات.
فكم من حاكم ومسؤول هوى أمام غانية أو كأس خمر، وكم من امرأة فاسدة حكمت واستبدَّت لأنَّ عاشقها يعبدها دون الله تعالى (14).
ولذا فالمطلوب اليوم ترشيح أقوياء متَّقين، أصحاب مواقف، أولئك هم الرجال حقا.
مقياس الأمانة: الأمانة بمفهومها الشمولي، تعني الأمانة بأوسع معانيها: الأمانة في المال، والأمانة في الوقت، والأمانة في المواقف … فلا يخون أمَّته لأجل مصلحة، أو لدنيا يصيبها، أو مال يغريه، أو منصب يصبو إليه.