الصدق في العمل الاجتماعي أو دستور خير أمة
الجزء ١ · صفحة ١٦١الأصل في الحياة الفردية الخصوصية والتكتُّم، والأصل في العمل الاجتماعي الظهور والوضوح. ولذا، فحياة الذي يتولَّى مهمَّة ما مرشَّحة للنقد من كلِّ جانب، فليتحلَّ بالصبر والحلم والأناة، وليقبل كلَّ ملاحظة سواء أكانت سلبية أم إيجابية، من أيِّ طرف كان.
وعليه أن يكون واضحا في أموره كلِّها، وأن لا يخفي شيئا من شأنه الإظهار، حتى لا يفتح أبواب الشكَّ والظنِّ، وليغلق أبواب التقول والإشاعة؛ أمَّا ما من شأنه الإخفاء، مثل أسرار الناس، فلا عليه إذا أخفاها، ولا خوف عليه من كلام الآخرين.
وبالجملة «فإنَّ نوعا من التحديد للمعلومات التي يتيحها المرء لغيره، قد يكون مطلوبا» (15).
النقد:
إنَّ مفهوم محرِّك الطائرة هو المفهوم الدقيق الذي وجدتُ فيه دلالة علمية على مغزى النقد وضرورته:
فمحرِّك الطائرة في حاجة إلى ثلاثة مكوِّنات لكي يتحقَّق الإقلاع: الطاقة، الهواء، الشعلة.
والأمم لن تحلِّق في سماء الحضارة، ولن تغادر ضحضاح التخلُّف والهوان إلاَّ إذا وفَّرت: الطاقة، والهواء، والشعلة.
فالطاقة تتمثل في كلِّ شيء له دلالة موضوعية، مثل: الإيمان، والمال، والمكان، والزمان …
والهواء، يتمثل في كل ما له دلالة منهجية، مثل: المنهج، والإدارة، والتخطيط …
أمَّا الشعلة فهي كلُّ ما يحمل مفهوم الاحتكاك: النقد، المحاسبة، الردع …
ومعلوم أنَّ عملية توفر العناصر الثلاثة تولِّد الطاقة، وكلُّ شعلة من النار تخرج خارج المحرِّك قد تتسبَّب في إحراق الطائرة، كما أنَّ النار إذا جاءت من خارج الطائرة، حوَّلتها إلى فحم (16).
فأمَّة بلا نقد مثل محرِّك بلا شعلة، مهما وفَّرت من طاقة وهواء، فإنَّها لن تشعل محرِّكات الحضارة، ولن تغادر أرضها، ولن تلحق بركب الحضارة.
والعديد من الهيئات الاجتماعية تجهض كلَّ محاولة للنقد، وتعتبر كلَّ ملاحظة أو توجيه أو تصحيح إنما هو انتقاد وتحطيم، بل وتعطيه مفهوم الكراهية والبغض والحسد، ومن ثمَّ تكمّم العديد من الأفواه، بشتى الوسائل والتقنيات المبتكرة، من أبرزها: تجريح الناقد، والتشكيك في نواياه، وإشعاره أنَّ نقده مكتوب في دفتر لن يفتح أبدا، وعدم فتح الرسائل بتاتا، وإنشاء حاجز بين الناقد والمنقود.
والصدق في العمل الاجتماعي يستوجب النقد المتواصل، فلو صدقت النية وصدق العزم لما رضي مسؤول - مهما بلغ شأنه - أن تمرَّ مرحلة بلا نقد، وإلاَّ اعتبر ذلك خيانة له، ورفض المسؤولية، شأن الخليفة الأول أبي بكر رضي الله عنه يوم قال: إذا رأيتم فيَّ اعوجاجا فقوِّموني. وشأن الخليفة الثاني عمر، ومن بعده من العباقرة الأفذاذ. بل إنَّ القرآن الكريم في آيات عديدة عمد إلى نقد الرسول صلى الله عليه وسلَّم، وهو الحامل للوحي والناقل له إلى الناس، إيذانا بوجوب استثارة النقد، والدفاع عنه، وضمان حريته: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾