مجلة الحياة، العدد 8 (مبوبة) مجلة الحياة

الصدق في العمل الاجتماعي أو دستور خير أمة

الجزء ١ · صفحة ١٦٢

(لأنفال:67) ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ (عبس:1) …

المحاسبة:

كلُّ عمل يقوم به ابن آدم لا بدَّ سيحاسب عنه، إن عاجلا أو آجلا، في الدنيا أو في الآخرة. والمحاسبة الإيجابية في الدنيا، راحة من المحاسبة الشديدة في الآخرة، فرسول الرحمة يقول: «من نوقش الحساب هلك» (17).

فكلُّ من عمل بصدق، والتزم الصراحة والوضوح، واستعان بالتقييس والتقييم، محددا غاية واضحة، وأهدافا دقيقة، وأولويات معتبرة، لا يخشى المحاسبة، بل يطلبها، ويعتبرها محكًّا إيجابيا له ولعمله، ولذا فإنَّا نجد في الدول المتقدِّمة ـــ اليوم ـــ هيئات للمحاسبة، لا تغادر صغيرة ولا كبيرة، ولا ينجو منها رئيس ولا مرؤوس، وفي مقدِّمتها وسائل الإعلام والاتصال، ولعلَّ هذا سرٌّ من أسرار تفوُّقهم في الأخلاق المدنية، وتحقيقهم لنسبة معتبرة من العدل الداخلي. أمَّا في المستوى الدولي، فإنَّ الأمور تختلف تماما، وثمة تصنيف لدول تحت القانون، رهن المحاسبة، وأخرى فوق القانون، تنصِّب نفسها بوليسا للعالم.

والخوف من وجود مثل هذه الصورة الخطيرة داخل الأمة، وتقسيم الناس إلى قويٍّ وضعيف، وإلى من يجب محاسبته ومن لا يمكن بتاتا محاسبته. ولا شكَّ أنَّ هذه الظاهرة هي سرطان العمل الاجتماعي.

فجماع هذا المعنى في حديث المرأة التي سرقت، فأراد الصحابة أن يشفعوا فيها، مما أثار غضبه عليه السلام. روى البخاري عن عائشة «أنَّ أسامة كلَّم النبي صلى الله عليه وسلم في امرأة فقال: إنما هلك من كان قبلكم أنهم كانوا يقيمون الحدَّ على الوضيع، ويتركون الشريف. والذي نفسي بيده لو أنَّ فاطمة فعلت ذلك لقطعتُ يدها» (18).

الحزم، والردع والزجر:

لا يمكن قيادة ولا عمل أيِّ مشروع إلاَّ بمفهوم السِّلم، فالتشنج، والقلق، والاضطراب، والصراعات الساخنة … كلُّها مقدِّمات للفشل، وسبب فيه … ولكنَّ الحزم كذلك مطلوب في مكانه، ذلك أنه يمكن لأيِّ مشكل أن يأخذ حيزا من الزمان، وأن يُتعامل معه برفق وتؤدة، ولكن إذا طال، وتحقق ضرره وجب الحزم في آنه، وإلاِّ تحوَّل المشكل إلى جزء من حياة المشروع، لا يقدِر أحد أن يفكَّه، ولا أن يوجد البديل.

ولهذا أوجب الله تعالى إقامة الحدود، وقال: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ … ﴾ (البقرة: 179)، ولقد كان رسول الله عطوفا شفوقا رحيما، ولكنه في مقام الحزم، كان شديدا، لا تأخذه في الله لومة لائم، وما موقفه من بني قُرَيظة إلاَّ أنموذجًا حيًّا على هذا.

ولعلَّ من أشدِّ البلايا على الأمم أن تفقد وسائل الردع، فتصبح هيئاتُها مجرَّد هيئات مقترِحة لا

١٦٢ / ٢٦٨