الصدق في العمل الاجتماعي أو دستور خير أمة
الجزء ١ · صفحة ١٦٣تملك القدرة على التنفيذ، ولقد عانى نظام العزابة من هذه الحال، بعدما أغلقت فرنسا "المحاكم الإباضية"، التي كانت وسائل أكيدة للردع، فصار العزابيُّ مجرَّد مقترِح لا غير، وضاعت الولاية والبراءة بمعناهما العَقَدي من كثير من المدن.
فالمطلوب إذن من الهيئات الاجتماعية أن تسعى لامتلاك وسائل للردع والزجر، إذا اقتضت الضرورة، وذلك في حدود القانون والنظام، فإنَّ ذلك أدعى لعودة هيبتها ودورها الريادي في الأمة الميزابية، ولا شكَّ أنَّها بذلك ستقدِّم خدمة جلى للأمة الجزائرية والإسلامية جميعا.
التداول على المنصب (نقد المنهج التقادمي)
تقوم بعض النظم التقليدية منذ القديم على مفهوم التقادم، فالأقدم والأكبر سنًّا هو الذي يستأهل المنصب قبل سواه، ولقد حاول بعض العلماء عبر التاريخ أن ينقدوا هذا المفهوم، غير أنهم لم يفلحوا (19)، بل السلطة التاريخية كانت أشدَّ وطئا وأكثر تغلغلا، ومن ثمَّ انتقل هذا المنهج في تولِّي المناصب إلى الجمعيات والهيئات الأخرى، فصار سمة تكاد تكون شاملة للعمل الاجتماعي في ميزاب، مع استثناء بعض المبادرات القليلة، التي لا تمثل المنحى العام.
وليس من الحكمة أن ننكر قيمة الخبرة والعمر، ولكنَّ الواجب هو تقديرها بمقدارها، وعدم الإعلاء بها إلى المقام الذي يضر بالأمة، ولنا في إقالة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب للقائد الفذ خالد بن الوليد أحسن أنموذج في التاريخ، ومن قبله تولية الرسول صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيد على جيش فيه قدماء وخبراء لهم مكانتهم في الإسلام.
ومن عيوب هذا المنهج في إدارة الجماعات والأمم:
أنَّ الذي يتولَّى منصبا معيَّنا يخلد فيه إلى يوم وفاته، ولا يحرِّكه أحد مهما ارتكب من أخطاء، وحتى إن فقد القدرة على الاجتهاد ألحق بالهيئة من يكون ظلاًّ له، يدافع عن خياراته، ويعطِّل الجديد بحجة غيابه، ويرفع شعارا مفاده أن لا غَناء عنه، والعمل في غيابه انقلاب محتوم … وقد يصل الحال في بعض المؤسسات إلى تعطيل العمل كلية: لمرض، أو غياب، أو سفر، أو انشغال في مهام أخرى.
ولعلَّ أكثر عيوبه ضررا هو أنَّ الإنسان في عمر العطاء يُمنع من العطاء، حتى إذا هرم وشاخ وركبته شتى الأمراض تقلَّد المهمَّة، وطولب بالكثير، وإذ لا يستطيع الاستجابة للمتطلبات فإنَّه يُنتقد انتقادا شديدا، وما درى الجميع أنَّ الخطأ في المنهج لا في النوايا.
ومن عيوبه الأكيدة تعطيل الطاقات عن الإبداع والتجديد، بل واغتيال الآلاف من العقول المجدِّدة، والسواعد المنتجة، بحجة أنَّ الزمان لمَّا يُعلِ من شأنها، فلتتبع الطابور ولو كان بطيئا وقاتلا. وفي الغالب إمَّا أن يعود المهمَّش إلى كهفه (المنزل، العمل، المسجد)، أو إلى هواجسه (كثرة الاشتكاء، كلُّ الناس هالك، لا خير في هذه الأمة، اليأس القاتل … ).
العصبية: