الصدق في العمل الاجتماعي أو دستور خير أمة
الجزء ١ · صفحة ١٦٤- المكان: منذ متى صار بالإمكان أن يخاطب واعظ من مدينة معينة مستمعين من مدينة أخرى … إنَّ نظام العزَّابة (مع الكثير من إيجابياته) عرقل هذا المسار في بعض القرى، فتأسَّس فيها خطاب عصبي قروي ضيق، قد يتخذ النكتة وسيلة ورافعة ( Locomotive) له، حتى صار طابعا على تفكير بعض الأفراد، بغض النظر عن مستواهم الثقافي، وتجاوز ذلك ليصير حقائق راسخة في أذهانهم، من يكذِّبها أو ينكرها يعدُّ شاذًّا وغير مدرك لعمق الأشياء ومضامينها. ثم انتقلت العدوى إلى بعض الهيئات العامَّة للأمَّة، فصبغ هذا الطابع القروي جميع وظائفها، بما يسمَّى التمثيل الشامل، دون إبداع لمنهج لا يتنكَّر للتمثيل ولكنه يشترط المقاييس، ويمكنه أن يتحدَّث عن الكرسي الشاغر، أو تعدُّد الممثلين الأكفاء ولو من بلدة واحدة، بحثا عن المصلحة العامَّة، وعلم قياس المصالح والمفاسد، من بين العلوم التي تعيننا في الوصول إلى هذا المبتغى.
- الاتجاه: الحركي، أو الديني، أو السياسي: طابع آخر للعصبية، فاعتبار الحقِّ لا لكونه حقًّا وكفى، ولكن لأنَّه صدر من هذا الاتجاه فهو إذن حقٌّ، ولأنه نبع من الاتجاه المضاد فهو إذن باطل. ويستوي في ذلك الاتجاهات القديمة، أو الاتجاهات الحديثة (20)، وقلَّ من يعقل، ويضبط النفس حين الحكم، ويقيس الأمور بنسبتها إلى الله تعالى، لا بنسبتها إلى جهاتها الإنسانية الضعيفة، وهو ما قصدناه في حديثنا عن الغاية: وهي إرضاء الله تعالى لا غير.
المصالح الذاتية:
مصلحتان لا تجتمعان: المصلحة الفردية الذاتية الآنية الضيقة، والمصلحة الجماعية الدائمة الواسعة.
أمران لا يلتقيان في عمل اجتماعي هما: المصلحة والحق.
فالمصالح هي ....
مكاسب إنسانية النزعة، طبقية اللون، جهوية النفَس، ضيِّقة الأفق، هشَّة البنيان.
المصالح أولها صراع وآخرها فساد … هي نتيجة للصراع بين الطبقات، «فليس التاريخ صراعا بين حقوق متعارضة، ولكنه صراع بين مصالح متعارضة، وهذا هو معنى "الصراع الطبقي" … فالطبقة التي تخرج منتصرة في هذا الصراع تعلن مصالحها - أو إرادتها - قانوناً، ولذلك يقول الماركسيون "القانون هو إرادة الطبقة الحاكمة تحوَّلت إلى إجراءات قانونية"» (21).
ليس فيها صواب وخطأ، ولا تقبل معنى العدالة ولا الظلم، فهي مصلحة وكفى؟ فقد تغلَّف بقيمة من القيم لتوهم الناس بأصالتها، ولكنها في الجوهر فساد في فساد …
كلُّ مصلحة لطرف هي بالضرورة مفسدة للطرف الآخر، سواء أكانت ظاهرة أم خفية، آنية أم مستقبلية …
ويمكننا تمثيل المصالح بشكل هندسي يقرِّب المعنى، ويضبط المفهوم: خطان متقاطعان، وزوايا متناظرة: