مجلة الحياة، العدد 8 (مبوبة) مجلة الحياة

الصدق في العمل الاجتماعي أو دستور خير أمة

الجزء ١ · صفحة ١٦٥

فكلَّما اتسعت زاوية وانفرجت إلاَّ وأحدثت زاوية حادَّة، وضيَّقَت عليها الخناق، فلو أنَّ منطقة معيَّنة في البلد روعيت مصالحها، وأعطيت صلاحيات ومِيزات دون غيرها، لكان ذلك حتما على حساب مناطق أخرى، مهما كان المبرر معقولا من وجهة نظر السياسيين، فإنَّ الأخلاق والقيم ترفضها وتشجبها ....

وهذا يصدق على الحركات، وعلى الأحزاب، وعلى الشركات … وعلى كلِّ مواطن في هذا البلد من أقصى شماله إلى أقصى جنوبه، ومن أنأى مشرقه إلى أدنى مغربه …

أما الحقوق …

فهي أعظم مظهر من مظاهر كرامة الإنسان، «ولأنها كذلك، فإنها تتجاوز الزمن والظروف والتاريخ، وتسمو إلى فعل الخلق» فهي بالتالي فطرية خُلقت مع الإنسان، وبها تميَّز عن سائر خلق الله أجمعين.

الحقوق لا تقبل التلاعب بها، فإمَّا أن تكون أو لا تكون، وهي غير مرتبطة بإرادة رئيس، ولا برلمان، ولا وزير، ولا بأيِّ هيئة مهما كان قدرها، ولا بأيِّ إنسان مهما بلغ شأوه، وعلا شأنه … فهي أكبر من ذلك، وأعظم من أولئك.

الحقوق لا تعرف التعارض، فنهاية حقك هو بداية لحق غيرك، بغضِّ النظر عن الانتماء، والجنس، والمستوى الثقافي، والمكانة المادية، والقيمة التاريخية …

وأقرِّب المعنى برسم هندسي متمثل في الخطوط المتوازية، التي لا تقاطُع بينها، وإنما تستمد امتدادها من المنطلق والمصبِّ، فالمنطلق لكلِّ إنسان مهما علا أو سفل هو العدم: ﴿هَلَ اَتَى عَلَى الاِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَّذْكُوراً﴾ (الانسان:1)، ومصير كلِّ إنسان

ــ مهما ارتقى أو انحدر ـــ هو الإياب إلى الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ (النور:42):

مفهوم الآخَر:

لأنَّ الناس يصنِّف بعضهم بعضًا إلى جهات وجماعات وحركات … فإنَّ مفهوم الآخر قد يستحكم فيهم، ويدفعهم إلى الحكم على الآخرين من خلال أنفسهم ومواقفهم، التي يحوِّلونها عادة إلى محور للحق، ما وافقها وافقه، وما خالفها خالفه. قال فرعون لقومه ﴿مَآ أُرِيكُمُ إِلاَّ مَآ أَرَى وَمَآ أَهْدِيكُمُ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ (غافر: 29)، ولهذا حذَّر رب العزة رسوله الكريم من هذا المشكل، وربَّاه على العدل والقسط، فقال: ﴿ولاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئانُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة: 08).

ومن الواجب أن لا ينطلق العمل الاجتماعي من مفهوم الآخر، وإنما عليه أن يتبنى أعمق المفاهيم الشرعية في هذا المجال، مثل:

١٦٥ / ٢٦٨