مجلة الحياة، العدد 8 (مبوبة) مجلة الحياة

الولي في عقد الزواج

الجزء ١ · صفحة ١٧٣

وصيانة لحيائها.

ورأي أبي حنيفة هذا يشبه توقيف عمر بن الخطاب تطبيق حد السرقة عام المجاعة فلم يقل أحد إن عُمرًا ألغى حدَّ السرقة بل أرجأه لانتفاء مبرراته ومسوغاته، وكذا أبو حنيفة ألغى بعض صيغ الولاية الظاهرة والمتعارف عليها، فرأي أبي حنيفة تحكمه بعض الملابسات الواقعية التي صرفته عن أصله ولذلك لا ينبغي أن يُفهم هذا إلا من خلال هذه الملابسات من غير زيادة أو تلبيس أو تأويل فاسد فلا يجوز التعامل مع الأدلة الفقهية بطريقة مقطوعة من أدلتها فتأخذ على عمومها، وقد اشترط أبو حنيفة لصحة تزويج المرأة نفسها بدون ولي شروطًا حتى لا يكون زواجها عارا أو مذلة لأهلها فقال بوجوب أن يكون الزوج كفءًا للمرأة وألا يقل مهرها عن مهر المثل، وهذا ضمان لكي لا يصبح زواج المرأة إهانة أو إساءة لأهلها فإن لم يتحقق ذلك فللولي أن يبطل الزواج وهكذا يجب أن يفهم رأي أبي حنيفة موصولا بهذه الضوابط إذ لم يكن ترخيصا على الإطلاق.

وأبو حنيفة لم يقصد من صحة الزواج بلا ولي أن يكون الزواج سرا على ما هو واقع اليوم في المجتمعات التي أخذت برأي أبي حنيفة كمصر مثلا.

ثم إن رأي أبي حنيفة بشروطه لا يقدم على رأي الجمهور والنصوص الصريحة الصحيحة التي تؤكد شرط الولي، وحتى الإمام أبو محمد تلميذ أبي حنيفة يرى إمكانية أن تتولى المرأة صيغة العقد عند إبرامه ويكون وليها راضيا بهذا الزواج (13).

مبررات إلغاء ركن الولي:

لا توجد مبررات إلغاء شرط الولي من الزواج إذ لم تعترضه عوارض أو نواقض فيجب أن يبقى على أصله. ووجود الولي في عقد الزواج لم يكن أبدًا مشكلاً للأسرة الجزائرية، فلم تشتك الأسرة الجزائرية يومًا من طريقة تزويج ابنتها، كما لم نسمع أبدا بامرأة جزائرية واحدة تستغني أو تشتكي من وجود أبيها أو أهلها في عقد قرانها، كما لم نسمع بالجزائري الشهم أنه يرغب في الزواج بامرأة في معزل عن أهلها. ولعل السؤال والتأكد من نسب الفتاة ومعرفة أهلها وحضورهم في كل مراحل الزواج سلوكٌ متجذر ومتأصل في المجتمع الجزائري منذ قرون ومن ظواهر الفخر والاعتزاز، ممَّا يضمن تماسكه وانصهاره وهو صمام الأمان من كل ما يهدد الخلية الأساسية للمجتمع.

وزواج الفتاة بدون إذن وليها عصيان وتمرُّد ..

فلماذا تستبعد الدولة الجزائرية مذهبيها المالكي والإباضي (14) اللذين يؤكدان على وجوب الولي كركن أساسي في الزواج يتفق معهما المذهبان الشافعي والحنبلي، وتراعي الخصوصيات الحضارية والواقع الاجتماعي للشعب الجزائري، فتلجأ إلى القول الشاذ غير المجمع عليه والشاذ يُحفظ ولا يقاس عليه ولم توجد الضرورة القصوى التي تلزمنا بالبحث عن مخرج فقهي كوقوع الزواج فعلا بلا ولي ونتج عنه أبناء ثم حصل التراضي بين العائلتين، فيؤخذ هنا برأي أبي حنيفة كفتوى لحالة

١٧٣ / ٢٦٨