مجلة الحياة، العدد 8 (مبوبة) مجلة الحياة

تراثنا والمستشرقون

الجزء ١ · صفحة ١٩٠

كما نجد بين طيَّات الكتب، أيام الحروب العمياء، الأخبار التي تصف كيفية إحراق مكتبة المعصومة من طرف العبيديين إثر سقوط تاهرت سنة 296 هـ، وكيف أُبيدت مكتبة "درجين". هذا إن دلَّ على شيءٍ فهو يدلُّ على تراثٍ إسلاميٍّ زاخر، وكيف ضاع بأيدي المسلمين تارة، وبأيدي أعدائهم تارة أخرى.

وإذا أردنا أن نطَّلع على الباقي منه، وعلى ما أُلِّف بعد الرواد الأوائل فعلينا بطيِّ الأحداث والصفحات في وقت لا يمكن فيه سردُ القوائم، إذ أن هذا الأمر يحتاج إلى دراسة متأنية في الموضوع.

بل إنَّ كتب الدارسين وفهارس المحققين قد أبدت الكثير مما ألَّفه هؤلاء الأفذاذ سواء أكانوا من الإباضية، أم من المالكية، أم من الأحناف في القطر الجزائري، وإنَّ مما تزخر به مكتبات ميزاب، ووارجلان، وأدرار، وملوكة، والمطارفة وتمنطيط، وعلى طول طريق القوافل، لمما يحارُ من وصفِه الإنسان.

فهناك مكتباتٌ توجد وسط الصحراء بين كثبان رملية علت على سطوحها الرمال فطمرتها، وتسابقت إليها أسنان "الأرضة" فنخرَتها.

وإنَّ موضوع التراث بصفة عامة لَيحتاج إلى تحسيس ذوي الفضل حتى يرقوا به إلى مصافِّ المهتمين بتراثهم في الدول المتطورة.

بعض صانعي التراث:

إضافة إلى الحديث عن الرواد الأوائل فإنَّنا نذكُر بعض المشايخ على سبيل المثال لا الحصر، فكتب السير أغنت بذكر أسمائهم فهم بالمئات إن لم نقل بالآلاف.

فإنَّ الإباضية مع ذلك في المغرب أقلُّ نتاجًا عنهم في المشرق، إذ إنَّ إباضية المشرق وهم عربٌ أقحاح بحكم تضلُّعهم في اللغة العربية وصفاء قرائحهم، ألَّفوا آلاف الكتب والجوامع والموسوعات الفقهية والأراجيز قديما وحديثا (15).

وإذا قلنا إنَّ بربر شمال إفريقيا أقلُّ تأليفا، فقد كان ذلك بحكم كونهم بربرًا، إذ عانَوا في تعلُّمهم اللغة العربية، وإلى عهد قريب لا يزال هناك ما يُؤلَّف بالبربرية ويحتاج إلى ترجمة.

ولكي يؤلِّف بعضهم كان عليه أن يقترب من الأوساط العربية، فهذا الشيخ "أبوعمار" سافر إلى تونس قبل أن يبرع في التأليف، وكان له الفضل في إثراء المكتبة الإسلامية بتآليفه، كما أثراها كل من الشيخ أبي يعقوب يوسف بن ابراهيم الورجلاني (ت 570 هـ)، والشيخ أبي العباس أحمد بن محمد بن بكر (ت 504 هـ) ابن مؤسِّس نظام "حلقة العزابة" وغيرهم كثيرٌ في تأليف المئات من الكتب في شتى الفنون التي لها علاقة بالدين والعقيدة من قريب أو بعيد.

وحتى الكتب التي يمكن أن تكون دنيوية بحتة، كما ينظر إليها البعض، فقد نظر إليها الإباضية من زاوية دينية بحتة. لقد كانت بعض كتب العمارة في الإسلام تُعنى بجمال البناء والهندسة المعمارية

١٩٠ / ٢٦٨