مجلة الحياة، العدد 8 (مبوبة) مجلة الحياة

تراثنا والمستشرقون

الجزء ١ · صفحة ١٩١

من أشكال وألوان، بينما كتب العمارة لدى الإباضية تهتمُّ بالجانب الديني البحث من حقوق للجوار؛ من هواء ونور وسترة … فكتاب: "القسمة وأصول الأرضين" لأبي العباس أحمد بن محمد بن بكر، يتألَّف من ثمانية أجزاء، فهو خير مثال لذلك (16).

فإذا كانت هناك بعض كتب التاريخ في العالم الإسلامي تخدم ركاب القادة العسكريين أو تمجِّد تاريخهم الذاتي، فإنَّ كتب السير لدى الإباضية تشيد بالعلماء أكثر وتتناول أخلاقهم وسيرتهم وتهتمُّ حتى بالكرامات التي تحثُّ قارئها على التعلُّق بالأخلاق الفاضلة والتأسِّي بهم.

ولقد أحصى بعض المؤلفين التراث الإباضي دون أن يحيط به كله. وذلك مثل ما فعله الشيخ البرادي في كتابه: الجواهر المنتقاة في إتمام ما أخل به كتاب الطبقات (17)، ومثل ما فعله بعض المستشرقين (18).

المستشرقون وبداية التعرف على التراث:

في بداية الكلام عن جهود المستشرقين لا يسعُنا إلاَّ أن نقف في اندهاش أمام ما قاموا به من أعمال جليلة من تأليف وتحقيق وطبع ونشر.

كما ندين لهم بالشكر لحفظهم كثيرًا من الوثائق والمخطوطات من أن تأكلها "الأرضة" أو يُفرِّقها الورثة … فعالجوها بالأدوية وحفظوا صورها بالميكروفيلم أو الميكروفيش أو في ذاكرة الحاسوب.

ولكن هذا لا يعني رضاءنا التام عمَّّا قام به القادة العسكريون من سلب لمقوماتنا، وطمس لهويتنا، و ما كان غرضهم أوَّل الأمر إلاَّ دراسة مجتمعاتنا، والتعرُّف على خبايانا حتى يستطيعوا قهرنا وإذلالنا من جهة، والتعرُّف على أماكن الضعف وشقة الخلاف بيننا وبين غيرنا حتى يُوسعوا فيها.

لقد فهمت فرنسا أنَّ ميزاب لا يدين لها بالولاء مثل ما كانت تعتقد من قبل، وأنَّ ميزاب في الحقيقة منبتٌ للمجاهدين، وملاذ للثائرين، ومصنع للأسلحة والذخيرة، ولذلك قرَّرت قهره وإلحاقه عسكريا.

فقبل أن تفعل ذلك رأت أن تتعرَّف أوَّلاً على المزابيين وماذا يعتقدون، وكيف يتصرَّفون؛ فأرسلت العيون إليهم كما أرسلت إلى كل مسالك الصحراء حوله.

فأرسلَت إميل ماسكراي " MASQUERAY "،(19) في شهر جوان 1878 عينًا وجامعا لما كتبه المزابيون وأسلافهم بأقلامهم. واستطاع أن يطَّلع على بعض المخطوطات وأن يُرحِّلها من ميزاب إلى الجزائر، ولعل ذلك كان في غفلة من أهلها.

وكان أقدمها وأكملها، كتاب: "السيرة وأخبار الأئمة" لأبي زكرياء يحي بن أبي بكر الورجلاني (ت بعد 474 هـ)، وكان اختيار ماسكراي منصبًّا حسبما يبدو على الكتب التي تدرس الحياة الاقتصادية والتاريخية والاجتماعية على الخصوص.

وبعد أن تعرَّفت فرنسا على ميزاب وعلى تاريخه وأهميته الاقتصادية والاستراتيجية، وعلى خطر

١٩١ / ٢٦٨