تراثنا والمستشرقون
الجزء ١ · صفحة ١٩٢علمائه ونواياهم ومعتقداتهم، أرسل الحاكم العام بالجزائر تيرمان " TIRMAN" رسالة تهديد إلى ميزاب حتى يبرِّر إلحاق المنطقة عسكريا؛ يقول فيها:
« .. لقد أعطى ميزاب منظرًا قاتمًا؛ لقد صار ميزاب ملجأ آمنا لكلِّ المجرمين الذين يلاحقهم قانُونُنا، وصارت أسواقُه مفتوحة لكل المهاجمين من الجنوب، تمدُّهم بذخائر حربيَّة بكثرة … رغم أنَّنا لم نقصِّر عليكم بنصائحنا ولا بتأييدنا المعنوي فإنَّكم لم تريدوا أو لم تستطيعوا!
اليوم وتلبية لنداء المظلومين من هذه المناكر جئنا لاسترجاع النظام والسكينة والأمن عندكم … ».
الجزائر: فاتح نوفمبر 1882م
توقيع: الحاكم العام بالجزائر ـ تيرمان ـ
وبهذا أطبق الاستعمار بكلتا يديه على غرداية فأنشأ فيها ثكنة عسكرية تمَّ ربطها بطريق بري وخط هاتفي في نفس الوقت.
وفي ذلك الوقت كانت فرنسا قد أرسلت بعثاتها لوضع يدها على نفائس سدراته (20) ولعلَّ أبرز بعثة هي: بعثة هارولد طاري " HAROLD TARRY" عام 1881، للتنقيب عن قصورها الجميلة وعين الصفا، وقد جلبت لها سيارات حملت أعضاء البعثة وآلات التنقيب مارة وسط العاصمة الجزائرية مُحدثة الذعر والاستغراب لرؤية هذه الآلات العجيبة.
علمت فرنسا أنَّ هذه الأتعاب لن تضيع سُدى فواصلتها إلى سنة 1952 حيث أتت "مارغريت فان برشم"" M. VAN BERCHEM" على أغلب اللقى الأثرية وضمَّتها إلى متحف الجزائر ومتاحف فرنسا ربما أيضا إلى منزلها الخاص.
علما بأنَّ فرنسا أيضا في نفس السنة 1881م بعثت لاكتشاف الصحراء الواسعة بعثات انتحارية، وعلى سبيل المثال فقط نذكر رحلة "فلاتر" " FLATTERS"(21)، التي غادرت ورقلة إلى أمجيد 19/ 01/1881م، فذاقت هذه البعثة وحشية الصحراء وتعرض الطوارق لها، فنفدت مؤونتها ومياهها وأشرفت على الهلاك وتساقط أفرادها قتلا وجوعا، فصار الباقون يأكلون الكلاب التي اصطحبوها معهم، فلما أتوا عليها صاروا يأكلون كلَّ فرد مات منهم مباشرة، فينهشون لحمه قبل أن يبرد، وحينما أتى الناجون بالأخبار تلقَّتها باريس بالأسى من جهة، وبالامتعاض والتقزُّز من جهة أخرى، وهذا ما جعلها تخجل من ادِّعائها نشر الحضارة والرقي، ففشل هؤلاء بينما نجحت وحوش الغاب والحيوانات المفترسة التي تأنف من أكل الجيف، ويقول المثل العربي: «تجوع الحرَّة ولا تأكل بثدييها».
ويريد الحاكم العام التعرُّف على لهجات المنطقة أكثر فيكلف "رينيه باسيه" " BASSET RENE "(22)؛ كي يقوم بجولة في ميزاب، وورقلة، ووادي ريغ، فيستغل زيارته التي قام بها سنة 1885م ويطلع على محتويات المكتبات: بزاوية عين ماضي، وزاوية تماسين ومكتبات ورقلة