مجلة الحياة، العدد 8 (مبوبة) مجلة الحياة

تراثنا والمستشرقون

الجزء ١ · صفحة ١٩٥

سموجورفسكي" زيارة قبر الشيخ أبي عمَّّار؛ فذهبنا سويا إلى قبره، فجثا على ركبتيه، وخلع قبعته في خشوع لا يتحرَّك، وكان كلَّما ذكره يقول: "قال أستاذنا"، واعتَقَدَ الشيخ أعزام ذلك منه منتهى الأدب والأخلاق الفاضلة» (32).

قد تكون حقًّا أخلاقا فاضلة إن لم ترتبط بمصلحة خطيرة مثل هذه؛ وهي أخذ المخطوطات؛ ولكن حيث أعقبها عمل كهذا فإنه لا يعدو أن يكون نفاقًا واستغفالا.

ويسافر "زيغمونت سموجوفسكي" إلى سوريا، ويُلقى القبض عليه، ويفقد الكثير من مخطوطاته، وحسب ظنه أنها نقلت إلى المكتبة الظاهرية (33).

ويأتي بعده تلميذه "تاديوش لفيتسكي" " LEWICKI TADEUDZ" ويصف تهريبه للمخطوطات إلى داخل بولونيا أيام الحرب العالمية الثانية قائلا: «جمعتُ كثيرًا من المخطوطات حملتُها معي إلى كراكوفيا، ولقد اختبأتُ أكثر من ثلاثة أيام داخل مواسير المياه قبل أن أنجو من الروس» (34).

ويستفيد تاديوش ليفتسكي أيَّما استفادة من المخطوطات التي نقلها. أمَّا الباقي فيقول ربما قد احترقت باصطلاء الناس بها أيام البرد القارس (35).

وحينما نطَّلع على ما ألفه من كتب ومقالات بالفرنسية والبولونية نلمس الجدية والموضوعية في كتاباته، ولا نجد أدنى تحيُّز أو غمز - حسبما يبدو -.

أضف إلى ذلك ما نلمسه من عمق في التفكير ومقارنات يخرج في أغلبها بنتيجة قلَّما يتفطَّن لها القارئ العادي (36).

وحينما زرناه في داره كان بطيء الخطو يحمل بين يديه المرتجفتين آلته الراقنة فيقول: «أنا أحرِّر كل يوم ثلاث ساعات بنفسي على هذه الآلة، والآن بما أنَّني لا أقوى على السير أكثر من ثلاث لفَّات حول بيتي في الحديقة، لم أترك ما تعودت عليه، وكانت زوجته ليفيتتسكايا أيضا عالمة فقد كتبت عن بعض الدول الإفريقية دراسات سيسيولوجية. وقبل أن نودِّعها أخرجت لنا من دولاب قاعة الاستقبال مصحفين شريفين قالت: «هذا أغلى ما تركه لي والدي قبل وفاته».

وكانت آخر كلمة "تاديوش لفيتسكي" قبل توديعنا له: «لا تنسوا إبلاغ سلامي الحار إلى أعضاء حلقة العزابة».

لستُ أدري هل وقعتُ أيضا في الشراك التي وقع فيها الشيخ أعزام من تصديق حسن نوايا هؤلاء؟ وهل يختلف "تاديوش" عن "زيغمومنت" حيث إنَّه لم يقم بترحيل المخطوطات بل عني بحفظها ودراستها؟.

ومع ذلك فإنَّ ما وجدت من كتابة على بعض المخطوطات يجعلني ألومه إن لم أتَّهمه أيضًا لعدم إرجاعها إلى أصحابها، حيث كتب عليها: «هذا وقفٌ في سبيل الله لمسجد كذا أو لمكتبة فلان، لا يجوز إخراجه أبدًا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها».

١٩٥ / ٢٦٨