أهمية فهم القرآن وتدبره في حياة الإنسان المسلم
الجزء ١ · صفحة ٢٠ومن أجل بسط الكلام في هذا الجانب، يتعين علينا أن نتناوله من خلال النقطتين الآتيتين:
لماذا التركيز على تدبر القرآن مع وجود العناية بحفظه وتلاوته؟ وما خطورة استدبار القرآن وهجرانه، وأثر ذلك على حياة الإنسان ومصيره؟
إن الذي يجول بنظره في نطاق المجتمع الإسلامي الكبير، يجد أن من الأسباب غير المباشرة للتخلّف الحضاري والعلمي للمجتمع، إعراض أكثر الناس عن القرآن، وهجرانهم له؛ ولا يعني ذلك عدم قراءتهم له، لأن منهم من يتلونه صباح مساء كما رأينا، وربما يحفظونه أكثر من غيرهم، ولكنهم لا ينتهون عن منهياته ولا يأتمرون بأوامره، فهم وكأنهم لم يقرءوه ولم يحفظوه وهم بالعكس يفعلون.
إننا إذا اعتبرنا القرآن وصفة علاجية ووقائية للإنسان، وأن الله تعالى هو الطبيب، فإنه من واجب المريض أن يلتزم بما يمليه عليه طبيبه من الإرشادات والنصائح وإلا هلك، أو على الأقل يزداد سقما على سقم. ولا نحسب أن عاقلا يلجأ إلى الطبيب فيكتب له وصفة دواء حتى إذا أقفل المريض راجعا إلى بيته شرع يقرأ تلكم الوصفة الدوائية ويحفظها راجيا الشفاء.
ومن هنا نفهم كيف أن أسلوب القرآن جاء حاسما ليوبخ المعرضين عنه، سواء بهجرانه والغفلة عنه لمدة طويلة أو بتلاوته تلاوة مسرعة لا تكاد تُبين، حيث جعل لهم الوعيد على ذلك في آيات عدة. يقول المولى سبحانه وتعالى رواية عن نبيه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ (الفرقان30)، و هي صورة ينقلها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن واقع كان الناس فيه يشهدون نزول القرآن ويتركونه وهم معرضون، وقد بين لهم الرسول فضله، وإذ يثبت الله عز وجل هذه الرواية في الكتاب لتنقل إلينا، فإنه يريدها أن تكون لنا نحن المتأخرين موعظة وتذكيرا. ولعل من المفيد بالمناسبة أن نقيس واقعنا إلى واقع العهد النبوي، لنعرف مدى قوة أو ضعف علاقتنا بالقرآن الكريم، ونحن أتباعه، حتى يتبين لكل منا ما إذا كان يتعين عليه مراجعة النفس وتصحيح علاقته بالقرآن فكرا وسلوكا.
و إذا قيل قديما إن اللبيب تكفيه الإشارة، فإن العاقل يتبين بنفسه مدى أهمية الموضوع وخطورته، فيعتني به ويهُبّ إلى الإصلاح والتغيير، حتى لا يلحقه عتاب الله ووعيده: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (محمد؛24). ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ (فصلت44).
والآيات في الموضوع كثيرة (7)، تأتي كلها لتدعم هذا المعنى، وهو تركيز المولى سبحانه وتعالى على عنصر التدبر والفهم والتطبيق، قبل الحفظ والتلاوة اللفظية، لأنه تكفل بحفظه لكتابه بنفسه، ولم يوكل مهمة ذلك لعباده ولا لرسله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر09)، ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ (القيامة17)، إذ لم يكن سبحانه وتعالى في حاجة إلى من يحمله في