المناظرات أو الحواريات الثنائية في نثر أبي اليقظان
الجزء ١ · صفحة ٢٢٠الأفراد والجماعات نشوى بخمري الحلال (*)، وسحري الخلاب للنفوس والعقول» (31).
هكذا يرى الجواق أنَّه أحق بالشكر لأنَّ الأديبَ أرهَفُ الناس نفسًا، وأقدر على تصوير إحساس القرويين تجاه الجواق، ولهذا تكون هذه المحاورات «تنزع نزعة أدبية عمادها الوصف وحسن التشبيه لإبراز الجميل أكثر ممَّا تنزع نزعة فكرية عمادها سلامة المنطق وقوة الحجَّة ووضوح الدليل والرغبة في الإقناع» (32). وهذا ما نراه في قول الجواق: «أنا الذي أخذت من الحمام هذيله، ومن البلبل تغريده، ومن الهزار صدحه، ومن العصفور زقزقته … فإذا ركبت بنان اللاعب كما يركب العندليب متون الغصون، فهناك حدِّث عن السحر الحلال ولا حرج، سيما إذا كانت أصابع البدوي هي التي تلعب بي أمام خيمته في ذلك الجو الرقراق والفضاء الواسع، والهواء الصافي اللامع حيث جمال الطبيعة جالس على عرشه، والفطرة الصافية متكئة على أريكتها» (33).
بهذه الروح الرومانسية يحلق أبو اليقظان في سماء عاشقي الناي لأنَّ الأديب دقيق الحس، قوي الشعور بما يعتلج في النفوس من الآلام، وما يختلج في صدورهم من أحلام. وهذه في حقيقة الأمر من أهم خصائص أدب الجدل الذي يمتاز بالفصاحة الأخَّاذة، والبيان الرفيع، والعقل الناضج، والحكمة الصافية التي كانت تجري زلالا ذلولا على ألسنة القوم، فضلاً عن سرعة البديهة في الرد والقدرة على الإفحام والمحاورة (34)؛ لأنَّ أبااليقظان يحاول من خلال هذا الأسلوب جذب القارئ إليه ليغرس فيه ما يريد، ولذلك تراه يردُّ على لسان الجريدة بقوله: «كفى كفى أيُّها الجواق من هذا الهدر، وهذا الهذيان، أنت تفتخر بمحاسن غيرك، وأنا أفتخر بمحاسن نفسي، أنت تفتخر بالهواء الفارغ، أو الشقاشق الجوفاء … وهل أنت إلاَّ كنعيق الغراب لا يُحسُّ له صدى إلاَّ في خربات الجعل، ومستنقعات الخرافات والأوهام، أما أنا فبين أيدي الملوك والأمراء، وبين أعين العلماء والعظماء، كفاك ذُلاًّ ومهانة أنَّك لا توجد بين القصور وعرصات العروش، ولكنك لا توجد إلاَّ في المداشر والقرى والأكواخ والخيام .. » (35).
يتضح لنا أنَّ أبااليقظان ينحاز إلى الجريدة على أنَّها وسيلة من وسائل تفاهم الأمم، وينعي على الجواق أنَّه آلة من آلات التخلف والجهل، ولا يزدهر رواده إلاَّ في مستنقعات الجهل، وبيئات الأوهام، ومجالس الخرافات، وأعراس البدو، ويجعل الجريدة ميزة من مميزات المجتمعات الراقية، وأنَّ الجواق سمة من سمات المجتمعات المتخلفة، وبذلك يقول أبو اليقظان على لسان الجريدة مخاطبًا الجواق: «لو كان فيك أدنى فائدة لما رغبت الطبقات الراقية عنك، وأقبلوا إليَّ، ولما زهدوا فيك ورغبوا فيَّ» (36).
ولكن الجوَّاق لا يستسلم لمثل هذا المنطق، إذ يرى الأفضلية تعود إلى شعبية كل واحد، ولذا يطلب من الجريدة مناظرة واقعية، لتكون هذه المناظرة حية في أسواق المدينة وبين روادها لتتأكَّد الجريدة أنه أكثر شعبية وأرسخ قدمًا في ذهن العامة منها. يقول أبو اليقظان على لسان الجوَّاق: «مهلا أيتها