مجلة الحياة، العدد 8 (مبوبة) مجلة الحياة

المناظرات أو الحواريات الثنائية في نثر أبي اليقظان

الجزء ١ · صفحة ٢٢١

الجريدة فقد تطاولت عليَّ كثيرًا بما أجحفت من حقي بلا اكتراث، وبلا مبالاة، فإذا أردت حقيقة الواقع، فهيَّا بنا نأخذ الميزان من شهود العيان، ليقف الصحافي، وصاحبي الجواقي أمام دكان تاجر أو صانع مقهى أو أي مجمع كان، وليأخذ كلٌّ منهما في ترويج بضاعته بما أوتي من بلاغة وسحر بيان، ثم ننظر كم يلتفُّ حول الصحافي من الأفراد، وكم يلتفُّ حول الجواقي من الأتباع والجماهير» (37).

غير أنَّ أبا اليقظان يرى أنَّ هذا المنطق مقلوب، وأنَّ حكمه لا قيمة له، ولا أساس له من الصحة، لأنَّه من البله الحكم على الشيء بكثرة الملتفين حوله من الغوغاء وسواد الناس؛ إنَّما العبرة بما يقدمه الشيء للأمة من فوائد. ولذلك كان الرد على لسان الجريدة بكل استخفاف قائلة: «عجبًا غرورك؟ فمتى صحَّ الاستدلال بإقبال عامَّة الجهلة والأميين على الشيء؟ وهل قيمة الشيء الحقيقية بنفعه الجزيل الذي اعترف به الدين والعقل والعلم أم بإقبال الدهماء من العامة؟» (38).

هكذا يكشف أبو اليقظان عن وسائل الاحتجاج عنده وهي: والدين والعقل والعلم؛ هذه الثلاثية الخطيرة التي يريد أن يبديها لنا عن طريق هذه المحاورة بين قيمتين مختلفتين أو بين رؤيتين مختلفتين: رؤية سواد الأمة، ورؤية العلماء الأجلاَّء.

وحين يصل الحوار بينهما إلى قمة الجدل يتدخَّل العقل الذي هو الوسط بين الدين والعلم، وبين الداعية والمجتمع، فينهي الحوار لصالح الجريدة، بقوله: «لقد سمعتُ تحاوركما، ووعيتُ مغزاه، وعندي أنَّ الحقَّ أحقُّ أن يتَّبع، ولا دليل البتة للجواق على فضله لأجل إقبال العامَّة والأميين عليه، وإنَّما الفضل كلُّ الفضل للجريدة وإن أدبر الجمهور عنها؛ مادامت تخدمه خدمة صادقة بكل وفاء» (39).

من خلال هذا الحوار نستنتج أنَّ الهدف من هذه المناظرة هدف تربوي إعلامي اجتماعي؛ إذ يهدف الكاتب من ورائه إلى كشف بعض المظاهر الاجتماعية التافهة التي تنال حظًّا وافرًا من أفراد المجتمع، وأصبحت كأنها حقيقة ثابتة نتيجة لترسبات تاريخية طويلة، ممَّا أفسد الذوق الاجتماعي العام، فانحرف من جرَّائها تفكير الأمة، وانقلبت موازين المجتمع، وأصبح الباطل حقًّا، والحقُّ باطلاً، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنَّ أبا اليقظان يريد أن يرسِّخ مفاهيم جديدة مثل حبِّ الجريدة، والاهتمام بها، وإحلالها محلَّها الذي يليق بها، لا أن ينظر إليها الناس على أنها سبب كلِّ بلاء، فيتهرَّبون منها كما يتهرَّب المجرم من صحيفة أعماله يوم القيامة. ومنها إحلال طرق قياس جديدة ليست هي طرق الغوغاء والدجَّالين الذين قتلوا العقل والدين الصحيحين في الأمَّة بخرافاتهم، وأقيستهم الممجوجة. ومن جهة ثالثة فإنَّ هذا الحوار دعوة إلى الحداثة والنهضة بطريقة غير مباشرة، وذلك بإبراز المعايير الاجتماعية التي أفسدت المجتمع ووقفت حجر عثرة أمام تقدُّمه.

٢٢١ / ٢٦٨