مجلة الحياة، العدد 8 (مبوبة) مجلة الحياة

المناظرات أو الحواريات الثنائية في نثر أبي اليقظان

الجزء ١ · صفحة ٢٢٢

إنَّ هذا النص هو حوار أفكار؛ لأنَّ أبا اليقظان يحاول أن يمكِّن فكرة ويستأصل فكرة أخرى، بطريقة جدلية لا بطريقة فنِّية أو وعظية أو إرشادية؛ ممَّا يدل على أنَّ الكاتب وعى الواقع وابتعد عن لغة الإصلاحيين الوعظية التي تعتمد أسلوب الترغيب والترهيب، وذلك باعتماده على المفاضلة المنطقية العقلية، لا عن طريق المغالطات المنطقية، ممَّا جعله صاحب فكر جدلي منطقي من حيث المصدر الذي يستقي منه هذا الإصلاح، والهدف الذي يرمي إليه وهو التحرر من كثير من المفاهيم الجامدة التي أدت إلى انكماش المجتمع وانزوائه وموته الحضاري.

كما أبرز لنا هذا الحوار كيف تتصارع الأفكار في المجتمعات المنحطَّة، وكيف تكون المعايير، وكيف تسود الأحكام المسبقة فيه، وكيف تنتشر المغالطات المنطقية، ولذلك يقول الجواق للجريدة: « … وهنا حدِّث عن السحر الحلال ولا حرج، ولا سيما إذا كانت أصابع البدوي هي التي تلعب بي أمام خيمته .. » (40).

فمثل هذه الأحكام المسبقة تلحق ضررًا كبيرًا بالمجتمع، وتصبغه بصبغة المسلمات بالأحكام المسبقة ـــ وإن كانت خاطئة ـــ ممَّا أدى بأبي اليقظان إلى أن يعالجها معالجة واقعية عن طريق الحوار، لأنَّ الأفكار الفاسدة أصبحت حجر عثرة أمام المصلحين لا يمكن تجاوزها إلاَّ بعد سحبها من أذهان أفراد المجتمع، وهذا يحتاج إلى الوقت والوسيلة والرجال، وهو ما يؤمن به أبو اليقظان الذي يسلِّم بنظرية الإفراغ والإملاء، التي يوضحها في مكان آخر حين يقول: «العلم كالعسل، لا يوضع إلاَّ في إناء نظيفٍ، وإلاَّ سرى الوسخ إلى العسل فأفسده» (41).

فهو يؤمن بتنقية النفوس أوَّلاً من الزيغ والضلال والعادات الفاسدة، وإعداد الفرد لتلقي العلوم الصحيحة، وهذا لا يتم إلاَّ عن طريق غسل الأمَّة من الأدران التي علقت بها من جرَّاء ما مرَّت به من انحطاط.

فأبو اليقظان لم ينظر إلى الإصلاح على أنه مشكلة اجتماعية أو سياسية فقط، وإنما نظر إلى الإصلاح من خلال إصلاح الفرد وبنائه بناء إسلاميا متكاملاً، بغرس العقيدة غرسًا صحيحًا صالحًا لكل زمان ومكان، لأنَّ منهج الإفراغ عنده مبني على بناء الفرد من الداخل، ولذلك ركَّز على العقيدة قبل غيرها بمحو الشوائب الأخلاقية ومحاربة البدع والخرافات، وهذا يشبه ما ذهب إليه الطيب العقبي حين قال: «وخواص كلِّ أمَّة هم المسؤولون عن دهمائها، والمكلَّفون بإرشادها وهدايتها إلى ما فيه خيرها وسعادتها» (42).

كما أنَّ الالتجاء إلى مثل هذه الحواريات منهج وعاه أبو اليقظان واختاره عن دراية لأنَّ الأمَّة إذا أصيبت في عقيدتها تسمح بانتزاع روحها منها ولا تسمح بانتزاع عقيدتها من بين جنبيها (43). ومن هنا كانت بعض فئات الأمة تحارب المصلحين اعتقادًا منها أنَّهم على باطل، وهذا ما جعل أبا اليقظان يتتبع مسارب الجهل إلى جسم الأمَّة محاولاً مكافحته بأساليب عقلية علمية، لأنَّه يؤمن بأنَّ هذا هو الذي يقلِّص الجهل وينشر أنوار العرفان (44).

٢٢٢ / ٢٦٨