المناظرات أو الحواريات الثنائية في نثر أبي اليقظان
الجزء ١ · صفحة ٢٢٣ولعل كل ذلك هو الذي جعله يناقش في جريدة النور كثيرًًا من هذه القضايا مناقشة حوارية بعد أن اكتسب تجارب في الإصلاح والاجتهاد وما جابهه به الأعداء؛ فكان هذا الحوار نوعًا من الأسلحة الأدبية التي جابه بها الواقع لأنَّ «الأشكال الأدبية تظهر لحاجة ملحة في نفس الكاتب من أسباب ظهور هذا اللون أو ذاك جديدة للتعبير بعد أن يملَّ الناس الطريقة المألوفة في عصر الأديب، فتصبح لا تثير في النفوس انفعالاً، وكذلك السياسة تلعب دورًا في وجود شكل معين غير معروف من قبل للضغط ومصادرة الرأي» (45).
وخلاصة القول فإنَّ هذه الحواريات كانت وسيلة للتعبير عن الواقع الاجتماعي وتبيانًا للصراع بين الصحيح والفاسد من القيم وإبراز الازدواجية التي طبعت الحياة في الواقع الجزائري.
وتمتاز هذه الحوارية بالإطالة والاستقصاء، والإصرار على جمع الأدلة وتتبُّع الحقائق ورصدها، وسرد المواقف وحصرها، والإكثار من الحجج والبراهين، وكأنَّما تهيَّأت له أدوات الخطيب والمؤرِّخ والفقيه.
ولعل الإطالة وكثرة الشرح والتفصيل تعود إلى هذا الركام المتنوع الذي ترسَّب في أعماقه، أو تعود لطبيعة الجدل الذي سيطر على كلِّ هذه الحواريات. ورغم هذه الإطالة يظلُّ متمكنا من أسلوبه الذي وزعه بين تصوير وتقرير بطبيعة هادئة، فكان منسقا بإيقاع صوتي متميِّز وكأنني به الجاحظ (46).
ومن خلال أسلوبه تبدو لنا مصادر ثقافته، ومناهل فكره التي تنوعت؛ فإذا هو أديب ناقد يجمع بين شواهد الأدب القديم، وشواهد الأدب الحديث، وإذا به فقيه من طراز متميِّز، متمكِّن من عرض الحدث، وتناول الموقف في ثوب اللفظ المنتقى، والمعنى الجيد، والنسيج الهادئ؛ فكانت عنايته باللفظ والمعنى على درجة من خصوصية الأداء بما يكفي للكشف عن تمكُّنه من لغته على أهمِّ مستوياتها، وذلك على منوال القدماء، وبخاصة كتَّاب العصر العباسي.
2 ـــ محاورة الشدَّة والرخاء (47):
في هذه الحوارية يحاول أبو اليقظان أن يبرز أنَّ المحن هي محك الشعوب، ومحرِّكُها للنهوض؛ إذ لولاها لركن الناس إلى الدَّعة والكسل، ولذلك نسمع هذا الحوار:
«الشدَّة: أنا نذير من النذر الإلهية، وشواظٌ من غضبه ونقمته نحو البشرية المتمرِّدة، بعثني الله إليها في أحوال خاصَّة وظروف استثنائية لتذكيرها في ما هي عليه من العتو والغي والطغيان، عسى أن ترعوي وتنزجر فتثوب إلى رشدها وتعود إلى صوابها.
الرخاء: إليك عني يا هذه، فأنت دليل الغضب، وأنا دليل الرحمة، أنت جحيم العذاب، وأنا نعيم الثواب، شتان ما بين هذا وذاك؛ أنا أبو الضعيف والفقير واليتيم والمسكين، ورفيق العامل الحازم، والتاجر النشيط، والفلاح المجاهد، وسمير الملوك والأمراء والأغنياء، وأنت معول الهدم، ونذير