المناظرات أو الحواريات الثنائية في نثر أبي اليقظان
الجزء ١ · صفحة ٢٢٤الخراب، فبك أصبحت الدنيا مقفرة، والقصور متدهورة، والقرى خالية، والبلاد خاوية على عروشها، لم يسلم منك لا الملوك ولا الأمراء، ولا الأغنياء، ولا العمال، والتجار والفلاحون، بله الفقراء والمساكين، وكفاني فضلاً عليك ما شهد الله تعالى على نفسه: "رحمتي سبقت غضبي" (48).
الشدَّة: لقد تطاولت عليَّ يا هذا، وأطنبت في منَّتك ومزاياك، وأسهبت في مثالبي ومساوئي، ونسيت أنِّي لم أكن لأخرب عمرانًا أو لأهدم حضارة إلاَّ وأنت الذي وضعت في أساسها "ديناميت" التخريب، فبفضلك يتيه البشر، وبسببك يطغون، وفي حضيرتك يعبثون ويتمرَّدون، فأنا أصلح منهم ما أفسدت، وأقوِّم ما أعوجت، ومنزلتي منهم منزلة الطبيب، ونسبتك منهم نسبة باعث العلَّة ومنعشها …
الرخاء: مهلا أيَّتها الطامَّة، فلقد أسرفت في الكلام، وتطاولت في هذا المقام، إنَّ عهدي هو عهد ازدهار الحضارة، ونضوج المدنيات، وازدهار العمران، فالمؤسسات في حضانتي تُشاد، والجمعيات في رعايتي تُنشأ، والمدارس في حضيرتي تؤسس … » (49).
وهكذا يستمر هذا الحوار في أخدٍ ورد إلى النهاية، حيث يتدخَّل الرخاء قائلاً: «أعترف بفضلك عليَّ أيتها الأزمة، فأنت المؤسسة، وأنا المكمِّل، وأنت الغارسة وأنا المستثمر، ولكن أرجو من الله أن يقصِّر من عمرك ويُطيل بقائي» (50).
ففي هذا الحوار يكشف لنا أبو اليقظان عن شخصيته الموسوعية، كما يكشف لنا عن ثقافته الجدلية، وعن فكره ومفهومه للإصلاح، ونظرته إلى الشدَّة والرخاء.
وعلى العموم فهذا الحوار بين الشدة والرخاء، يكشف لنا الفكر الإصلاحي عند أبي اليقظان؛ الذي يؤمن بأنَّّ التقدم الحضاري وليد الحاجة وأنَّ الرخاء إذا طالت حدَّته أدَّى إلى الانحطاط، إذا أمعن مترفو الأمَّة في ترفهم.
كما يوضح لنا هذا الحوار أنَّ الشدائد محكُّ الرجال، وأنَّ الشدة والرخاء متعاقبان وضرورة حتمية اجتماعية، لأنَّ الشدة تدفع إلى العمل، والرخاء يدفع إلى الحضارة، إذا لم ينحرف المجتمع بسبب الرخاء، ومن هنا فكلَّما انحرف الناس كانت الشدة لإعادتهم إلى النهج القويم.
فالشدة والرخاء رذيلتان، والأجدر أن نجد الفضيلة بينهما، وهذه الفكرة خلاصة حوارياته، إذ أنَّ الشدة والرخاء، والعلم والمال، والحاضر والمستقبل، والمدرسة والحانوت، والشباب والشيوخ … ما هي إلاَّ ثنائيات الحياة، بجميع مشاربها، ولذا يرى أنَّ الوسط بين هذه الثنائيات هو الحلُّ للقضاء على هذا الصراع الثنائي، لأنَّ الشطط إلى جهة أو إلى أحد الطرفين يؤدي بالضرورة إلى الانحراف الاجتماعي، ومن ذلك فإنَّ الشدَّة رغم ما فيها من إيقاظٍ للشعوب، وتحريك للهمم، إلاَّ أنها إذا طالت أدَّت إلى الاستعباد، ومن هنا لا بد من التوازن بين هذه الثنائيات، وهذا ما سنراه في