مجلة الحياة، العدد 8 (مبوبة) مجلة الحياة

المناظرات أو الحواريات الثنائية في نثر أبي اليقظان

الجزء ١ · صفحة ٢٢٥

حوارية العلم والمال بكلِّ وضوح.

3 ـــ محاورة العلم والمال (51):

يبرز لنا الكاتب في هذه الحوارية الجانب السلبي للعلم والمال في حالة الشطط، وذلك من خلال حوار طويل في حلقتين متتاليتين، بعدها يتدخل الكاتب مباشرة، ويحسم الخلاف بينهما بطريقة التوفيق؛ يقول: «إنَّ لكلٍّ منكما محاسن ومثالب، إلاَّ أنَّ محاسن العلم أكثر، ومثالب المال أعظم وأخطر، وأرى في كلٍّ منكما شدَّة احتياجه إلى الآخر، وبقدر تآلفكما تظهر محاسنكما وتتوفر، وبقدر تنافركما تبدو مساوئكما وتتعدَّد، فلا مناص لكما إذن من عقد الخناصر بينكما على الصدق والإخلاص والولاء، وتوزيع الأعمال الكبيرة بينكما، فالعلم يتولَّى وضع الخطط، وحسن الرعاية والتدبير، والمال يتولَّى تنفيذ الأعمال وإنجازها، فيعيش كلٌّ منكما وفي قوَّته قوة الآخر، ويطير بالجناحين: المادي والأدبي إلى شواهق العزِّ والكمال» (52).

هذه هي مهمة العلم والمال في بناء المجتمع، فبالعلم نخطط وبالمال ننفِّذ لأنَّهما جناحا النهضة الأدبية والمادية، ورغم أنَّ المال له سلبيات كثيرة إلاَّ أنَّها تصير حسنات حين يسيِّره العلم، فحياتهما لا تتم إلاَّ بالتعاون والتعاضد والتكاتف، كما يذهب إلى ذلك أبو اليقظان.

وإذا تأملنا هذه المناظرة نجد فيها حشدًا من الأدلَّة وكأنَّها مناظرة فقهية ممَّا يجعل الحوار يفقد معناه الأدبي، ممَّا يحوِّلها إلى صورة من صور التكلُّف والصنعة، فتكون أقرب ما تكون إلى أسلوب المقامة؛ لأنَّ أبا اليقظان أبرز فيها ثقافته المالية والعلمية والدينية، وألمَّ بمعظم الأدلة التي تُساق في هذا المجال، كما يبدو، وكأنَّها وسيلة من وسائل إقناع أصحاب الأموال بالمشاركة والمساهمة في المشاريع الاجتماعية الإصلاحية بجانب العلماء العاملين في حقل الدعوة؛ ولذا يقول على لسان المال مخاطبًا العلم: «أفتُنكر أنَّك أصبحت الآن أداة تدمير وتخريب للعالم بما يتوصل بواسطتك علماء الكيمياء من الاكتشافات والاختراعات المهولة من الغازات السامَّة والمواد المفرقعة والقنابل المدمِّرة الفتاكة ببني الإنسان؟» (53).

إنَّ هذه المناظرة تطرح أزمة العالم المعاصر التي تتحكم فيها تقنيات الذرَّة والأسلحة الفتاكة بأنواعها المختلفة وبخاصة الجرثومية؛ فهي إشكالية الفكر الحديث، ومدار النقاش العالمي؛ إذ يرى البعض أنَّ العلم هو معجزة العصر ـــ إن لم يكن معبوده ـــ إذ يمكن للإنسان أن يشقَّ طريقه نحو الحضارة الحقَّة، وأنَّ الخوف والفزع من (غول) العلم سيزولان متى عمل الإنسان بقواعد العلم وأخلاقياته؛ وهذا ما نراه في إجابة العلم للمال بقوله: «مسكين أنت أيها المال، تسوق بجهلك من النصوص والأدلَّة ما لا يفيدك، ولا ينهض بحجَّتك، وربما عاد عليك بالمضرَّة. إنَّ ما أوردته من النصوص في النعي عليَّ ـــ على زعمك ـــ إنَّما هو في النعي على ترك العمل بي، وهل يذم ترك العمل بي إلاَّ لما لي من الفضل والمكانة العليا؟» (54).

٢٢٥ / ٢٦٨