المناظرات أو الحواريات الثنائية في نثر أبي اليقظان
الجزء ١ · صفحة ٢٢٦ومهما يكن فإنَّ هذه تساؤلات مطروحة في مجال النقاش العالمي، ولذلك نرى المال يقول للعلم: «أفتُنكر أنَّك اليوم الشباك الوحيد في أيدي أصحابك لإغواء العقول الراكدة، واقتناص الأمم والشعوب الغافلة، فانزعج بسببك الآمنون في أوطانهم، بل وفزعت بذلك حتى الطيور في وكناتها، وسباع الفلا في مغاورها» (55)، ولكن العلم يجيب المال ويفنِّدُ ادِّعاءه بأنَّه صار ضارًّا للإنسانية، فيقول له: «إنَّ ما ادَّعيته من أني أصبحت الآن أداة تدمير وتخريب، فذلك ليس عائدًا عليَّ في شيء وإنَّما عائد على جهلهم بكيفية استعمالي والاستفادة بي، فالعار على الجهل وترك العمل المفيد بي، لا عاري في كلِّ حال» (56).
فهذه المناظرة تشتدُّ أحيانًا بين المتحاورين إلى حدِّ الصراع المسرحي الذي ينمي الفكرة ويطور الحوار ـــ كما رأينا سابقًا ـــ وقد يكون الحار فيها فاترًا أحيانًا، وبخاصة حين يلتجئ الكاتب إلى السرد. وعلى العموم فإنَّ هذه المحاورات هي نظرة الكاتب إلى الحقائق والقضايا الاجتماعية والسياسية والعلمية، لأنَّ أبا اليقظان أديب فكرة وصاحب قضية، ولذلك نراه دقيق الملاحظة، عميق النقاش، صادق التصور، واضح المعالم، ولذا كان ذلك الحوار السابق انعكاسًا لحالته النفسية، ولونًا من ألوان الاعتراف بإشكالية الفكر المعاصر، والصراع بين الثنائيات الخطيرة في واقعنا المعيش، لأنَّ أبا اليقظان كان مصلحًا يحمل في ذهنه مشروع أمَّة أتى عليها الانحطاط، محاولاً إحياءها وإقناعها بالعلم والمال معا، وما إلى ذلك، وهو ما سنراه في الحوارية الآتية أيضًا.
4 ـــ محاورة الظهور والخمول (57):
في هذه المحاورة يشتدُّ الصراع بين فكرتي الإصلاح والجمود، إذ يكون الحوار وسيلة من وسائل وصف الظهور أو الخمول، فنرى مثلاً الظهور يميل إلى التسرُّع والعجرفة، أمَّا الخمول فيميل إلى الدَّعة والغفلة، ممَّا يبرز لنا بأنَّ المقصود به هم الطرقيون الذين يذعنون لكلِّ شيءٍ، بينما أولئك المصلحون فهم الروافض الذين لا يعترفون إلاَّ بما هو ثوري تحرُّري، ممَّا يحمل المناظرة إلى واقع آخر، وإلى تصوُّرين آخرين للحياة والوجود وتديُّنين؛ جمودي ومثالي، بل تصور عقلي إلى حدِّ الشطط، ولذلك نرى الخمول يقول للظهور: «أنا أنسُ العلماء، وسمير الأدباء، وبهجة العباد وخلوة الزهَّاد … أنا لباس الفقراء، وكهف المساكين، وملجأ العجزة، وجمال الفتيات، وزينة النساء» (58).
فهذه الظاهرة التي يحاول أبو اليقظان تضخيمها لاستئصالها وجدت بسبب تضافر عوامل كثيرة أهمها: عصر الانحطاط، والتديُّن التقليدي، والجمود المنحرف في بعض مظاهره بسبب فعل رجال بعض الطرق، وكذلك الدجَّالين.
ممَّا دفع أبا اليقظان إلى محاولة إيجاد حلٍّ عن طريق الحوار لأنَّه مستساغ لدى الناس بعد أن عمَّهم اليأس، وغزاهم الخمول، ولفَّهم التواكل، ممَّا جعل الجميع جثَّة هامدة لا قيمة لها، ولا مبادئ ولا ردَّ فعل اجتماعي أو سياسي. ولذلك نرى الظهور يردُّ على الخمول بقوله بعد أن سمع قول