المناظرات أو الحواريات الثنائية في نثر أبي اليقظان
الجزء ١ · صفحة ٢٢٧الخمول السابق: «أعوذ بالله السميع العليم منك يا طالع النحس،
ويا رائد الشقاء والبؤس، ويا علَّة كلِّ هوان،
ويا سبب كلِّ خسران وحرمان» (59). لأنَّ أبا اليقظان يؤمن إيمانًا صادقًا بأنَّ الجدَّ والعمل هما أساس النجاح في كلِّ المشاريع الاجتماعية، ولذلك يسخر من هذا التفكير الأجوف الأخرق، الذي لا يمت بصلة إلى الفكر "الرجولي" فيقول على لسان الظهور رادًا على مزاعم الخمول: «فأين أنت أيها المخنَّث وقت طلوع شمس الإسلام، وظهور الدين الحنيف في أرجاء المعمورة؟ ومن ذا الذي حمل سيوف الجهاد، ورفع أعلام الانتصار، ونشر ألوية الدين ما بين الصين والأندلس؟».
إنَّها أسئلة تكشف لنا عن فكر أبي اليقظان، وعن وجهة أدبه عمومًا، إذ أنَّه يدعو إلى الفعالية في جميع ميادين الحياة، ويرفض تلك الأساليب الانطوائية التي كانت سببًا هامًّا في انحطاط الأمَّة الإسلامية، وتخريبها من الداخل بكل وسائل التثبيط، ممَّا جعل أفرادها ينعزلون ويعيشون مستوحشين، في عزلة تامَّة، كالمسجونين أحيانًا، حتى أصبح العالم في هذه الأمَّة قانعًا بالقابلية للاستعمار، «وهو لا خيرًا جلب له ولا لأمَّته، ولا ضرًّا دفع … حتى صار مضرب المثل، وأصبح الناس يتندَّرون بالمسلمين قائلين: "أوَلَم أقُل لك دع عنك المسلم، وألم أحذرك من كلِّ ذي برنوس؟!! "» (60).
هكذا يرى أبو اليقظان ظاهرة الانحطاط والانكماش حين يشعر المرء بالمنبوذية فيتعدى الإحباط إلى الزي، وهذه كارثة عظمى لم ينتبه إليها كثير من العلماء المسلمين المصلحين، ولذلك يركز أبو اليقظان على الفعالية في العمل الحركي، لأنَّه يراها هي التي مكَّنت الأجداد من الانتشار من الجزيرة العربية إلى الصين وإلى الأندلس، وهذا لا يكون عن طريق الخنوع والخمول، وادِّعاء الزهد، والتديُّن الممقوت عن طريق التظاهر، ولذا صبَّ أبو اليقظان فكرته هذه في هذه الحوارية، لأنَّه يؤمن بالجدل والمناقشة، كما أنَّ هذه الأفكار تشف لنا عن حنكة وتجربة الكاتب في الحياة لأنَّ الناس لا يؤمنون إلاَّ بما يقنعهم، ولا يتَّبعون إلاَّ ما يشدُّهم إليه، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنَّ أبا اليقظان يحاول أن يناقش هذه الأفكار السقيمة ـــ الخمول ـــ مناقشة علمية رصينة منطقية باعتماده على مبادئ وأدلة مسلَّم بها.
لأنَّه يرى هذه الأفكار التي عششت في المجتمع وجعلت منه جثة مريضة تتقبل كلَّ الأوضار والأوبئة، ومنها قوله: «الظهور يقصم الظهور» و «كن حلسًا من أحلاس بيتك» و «عليك بخويصة نفسك» و «كُل الحشَف والبس القشَف وارقد على الخُرشف» (61).
كلُّ هذه الأفكار لا تدعو إلاَّ إلى الخمول وسلب طاقات الناس، وتحويلهم إلى مجموعات من العبيد، إنَّها أفكار تدعو إلى الغفلة والانتكاس، كما تدلُّ على جهل القائلين بها من بعض الزهَّاد.