المناظرات أو الحواريات الثنائية في نثر أبي اليقظان
الجزء ١ · صفحة ٢٢٨فالنصُّ إذًا يصوِّر الصراع بين الفكر الإسلامي التحرُّري والفكر الطرقي الانطوائي، ولذا يخاطب الظهور الخمول قائلاً: «لمَّا أصيب البشر بك وتطبَّعوا بطباعك من الخنوثة والأنوثة، وأصبحت أنت المتحكم في مقدورات الأمم والشعوب، جاء عصر التدلِّي والتدهور والسقوط والاضمحلال، حيث جريت في مفاصل حياة الأمم الدينية والدنيوية جريان الموت من عروق جسم المريض، وهم لا يزالون يعانون آلامًا وأسقامًا من جرَّائك» (62).
كما أننا نلاحظ أنَّ هذا الحوار، هو حوار القيم، من حيث الزمان والمكان أو ما يسمى بصراع الأجيال، وهذا ما يدل على أنَّ أبا اليقظان كان واعيًا بصراع الأفكار، مدركا لخطورتها، ممَّا جعله يبسطها بهذه الطريقة الحوارية، بكل جلاء ودون مواربة، وهذا في حدِّ ذاته نوعٌ من تسمية الأشياء بأسمائها، وليس تحويمًا حول هذه الأفكار، لأنَّ أبا اليقظان يؤمن بالقطع في الشيء مباشرة، وليس بالتحويم حوله، فهو القائل: «الدواء الناجع لا يكون ولن يكون بالدهن على الوبر، وإمراره على ظهر الجرح، فإنَّ هذا لا يزيد المرض إلاَّ خطورة واستفحالاً، فهلاكا وموتًا، وإنَّما يكون بسبر غور الجرح وتطهيره بأنواع المطهِّرات وإزالة ما فسد منه، ثم وضع الدواء عليه، وتضميده، وهكذا المرض الاجتماعي إنَّما تكون مداواته بالجهر والصراحة، ولكن بالحكمة والسداد» (63).
وهذا الصراع هو ما سنراه بكل وضوح أيضًا في محاورة بين الماضي والحاضر.
5 ـــ محاورة بين الماضي والحاضر:
وتدور هذه المحاورة حول اعتبار الماضي هو سبب الفضائل ومصدر الحضارة والأعمال الشريفة، بينما لا يمثل الحاضر بالنسبة إليه سوى المساوئ، والمخازي، والانحراف. وبينما يرى الحاضر عكس نظرة الماضي، إذ يرى أنَّه صاحب رسالة ثورية تحرُّرية، إذ يمثل سوى قبسة من قبسات العلم، والنور، فهو روح جديدة ممَّا فتح المجال على يديه للاكتشاف والاختراع والتقدم بأنواعه المختلفة، وأنَّه القاعدة لكل هذا، ولذا يقول الحاضر:
«صه يا أيها الناقص، وأطرق كرىً، فأنا ما جئتُ إلاَّ لأتمِّم نقصك، وأستُرَ عيوبك، جئت لأفكَّ أسرى جمودك، وأطلقهم من سجن العبودية والتقليد إلى فضاء الحرِّية، والتقيُّد بما أفيضه عليهم من أنوار العلوم والعرفان، وأمدُّ إليهم من هدايا المخترعات والاكتشافات المدهشة، ما سخَّروا به البرَّ وطأطأوا إليهم رأس الهواء … » (64).
بينما يردُّ الماضي على هذه الأفكار ردًّا مقذعًا، متعلِّلاً بأنَّ هذه العلوم والمعارف ما هي ثمار العلوم العتيقة، وأنَّها لولا الماضي لما كانت لتوجد في العصر الحاضر، يقول: «مهلا يا هذا، ودع عنك الطيش والغرور، واعرف من هو مصدر نعمتك، ومنبع ما تدَّعيه من أنوار العلم وأشعَّة العرفان، تمنُّ عليَّ بما يحقُّ أن أمُنَّ به عليك، وتعيِّرني بأشياء هي ألصق بك مني، أولا تعلم أنَّه بعلومي الغزيرة الدافقة وبحكمتي العالية تسنَّى لك أن تكون تلميذا نبيها، ومفكِّرًا بارعًا، فلولاي لكنت الآن من