مجلة الحياة، العدد 8 (مبوبة) مجلة الحياة

المناظرات أو الحواريات الثنائية في نثر أبي اليقظان

الجزء ١ · صفحة ٢٢٩

الجهلة الأغبياء، ثمَّ بعد هذا تنكَّرت لي» (65).

من خلال هذه المحاورة نطَّلع على فكر أبي اليقظان الذي يؤمن أنَّ الماضي قاعدة للحاضر، وأنَّ الحياة تقتضي الأصالة والمعاصرة، أي أنَّ الإنسان لا يتقدَّم ولا يتحضَّر إلاَّ إذا تمسَّك بفضائل ماضيه، وأخذ محاسن حاضره، ولهذا نجد الماضي حين يردُّ على الحاضر يرى أنَّ المقلد الحقيقي هو الحاضر الذي ذهب كلَّ مذهب في التقليد، متناسيًا أصالته، غير مدركٍ لذلك إلاَّ عندما يأتي المستقبل، وحينئذ يجد نفسه ماضيًا، ولا تنفعه حاضريَّته.

كما أنَّ الماضي يرى ما يسميه الحاضر بالجمود هو جمود تمسُّك بالأصالة، وتمكين للفضيلة، وإرساء لروح العقل، فهو جمود على الصدق والإخلاص، والأمانة والوفاء، والمروءة والحياء، جمود على عدم الانفساخ والتهوُّر، إنَّه جمود حكمة ورويَّة في تغليب الحقيقة على الخيال، والعقل على الطيش، وهذا خير من تذبذب الحاضر واندفاعه، وخلاعة سلوكه، ولذا يخاطب الماضي الحاضر بقوله: «إليك عنِّي أيها الحاضر، اختف عن مكاني هذا، وابتعد عن محضري، ولا تجاورني فتمسخ كلَّ ما بي من الفضائل، وجلائل الأعمال، بمساوئك وقبائح أفعالك» (66).

ويضيف قائلاً: «تعيِّرني بالجمود والعكوف على القديم، وتناسيت أنَّك أشدُّ جمودًا وأقبحه، وسيأتيك تلميذك المستقبل بعد حين، فهنالك تعرف معنى الجمود، نعم أنا جمدت لكن جمدت على الدين، جمدت على مكارم الأخلاق، جمدت على الصدق والإخلاص … جمدت على عدم الاندفاع وراء الأهواء، والاستهتار بالموبقات، والانهماك في المكايد، أمَّا أنت فإنَّك جامدٌ وجامدٌ جدًّا، جمدت عمَّا جاءت به الأنبياء والرسل من قِبَل الله من الإيمان الصحيح والشرائع الحكيمة، وانقبضت نفسُك عمَّا تأمر به العقول الراجحة، والأذواق السليمة من الأوصاف الأدبية العالية» (67).

ولكن الحاضر لا يقبل ذلك فيردُّ عليه قائلاً: «لقد تطاولت أيُّها الشيخ الهرم، وأطلت في الكلام، تفتخر عليَّ بفضائلك وعلومك الغزيرة وهدوئك وسكونك، وتناسيت ما كنت عليه من الجهل المطبق، والظلام الحالك، والفوضى وسوء النظام والعكوف على الخرافات والأوهام، ولئن كان لك فضلُ السبق في مبادئ العلوم فإنَّه لا يستر عنك فضيحة الجمود، والكسل والتواكل … ».

ويبقى التناقض؛ كل واحد منهما يحاول أن يبرهن أنَّه أحق من صاحبه إلى أن يتدخل العقل، الذي يقرر أن الماضي اشتطَّ في محاسنه، وأن الحاضر غالى في محاسنه أيضًا، ويجب على الاثنين أن يتَّحدا وأن يتخلَّيا عن غطرستهما وأنانيتهما لصالحهما، فيقول: «إذ من الواجب لكما لجمع شملكما، وتوطيد العلائق الودية بينكما والمحافظة على تلك الصلة الكبرى التي تربط بينكما أن يعترف كلٌّ منكما بفضل الآخر، ويتخلَّى عن مساوئه، وهنالك تعيشان وراية المحبة والوئام ترفرف على الجميع» (68).

٢٢٩ / ٢٦٨