مجلة الحياة، العدد 8 (مبوبة) مجلة الحياة

المناظرات أو الحواريات الثنائية في نثر أبي اليقظان

الجزء ١ · صفحة ٢٣٠

هكذا يحاول أبو اليقظان أن يربط الحاضر بالماضي؛ الأصالة بالمعاصرة، لأنَّ الماضي عنده قاعدة الانطلاق، والحاضر نافذة نطلُّ من خلالها على العالم، ولذا فالحاضر يتمِّم الماضي، فهو يأخذ بأخلاقية الماضي وتقنية الحاضر، لأنَّ أبا اليقظان رجلٌ يؤمن بتلاقح الأفكار وتكامل الأجيال، فالماضي عنده لا يمثل إلاَّ القيم والفضائل، والحاضر وليد المخترعات والعلوم المختلفة، ولذا فهما يحتاجان لبعضهما، وكأنَّ الماضي هو الروح، والحاضر هو البدن؛ وهذان لا يتَّحدان إلاَّ إذا طهَّرا نفسيهما ممَّا علق بهما من شوائب الماضي ومثالب الحاضر.

وبهذا يبدو لنا أبو اليقظان رجلاً محافظًا على التراث، مصرًّا على إحيائه والتمسك بما فيه من قيم نبيلة، ومسايرة الحاضر، والأخذ بالعلوم العصرية، وذلك بتحديث المعرفة ووسائلها، ومن هنا فهو رجلٌ محافظ متفتح في الوقت نفسه، فهو رجل عقل ودين يبحث عن الوسطية في كلِّ شيء.

فهذه الحواريات أو "المناظرات" هي توفيق بين شيئين أو قيمتين متكاملتين، لأنَّ المجتمع جعل إحداهما تتغلب على الأخرى، لذا يحاول أبو اليقظان أن يعيد الأشياء والقيم إلى نصابها بعد استعراض رأي المجتمع فيها، ولعلَّ هذا يتجلَّى بكل وضوح في حوارية الحانوت والمدرسة (69)، وكذلك حوارية المسجد والقهوة (70)، والقوة والحق (71). ونركز في هذا التحليل على حوار المدرسة والحانوت.

6 ـــ محاورة المدرسة والحانوت:

هذه الحوارية اجتماعية، لها قيمتها الاجتماعية والأدبية والتاريخية، يقول الحانوت: «أنا معدن المال، ومنبع الكمال، وكعبة الآمال، وقبلة النساء والرجال، في حضانتي تشبُّ الأطفال والصبيان، وبين جدراني يطوف الفتيان والشبان، وإليَّ يركع الكهول، ويحجُّ الشيوخ في سائر الأحيان، بفضلي بُنيت القصور وشُيِّدت الدور، ورحمت القبور، وملكت القلوب، وحصل ما في الصدور .. » (72).

نرى أنَّ هذا الرأي هو رأي التجار الذين يؤمنون بأن الحانوت هو أساس بناء المجد الاجتماعي، لأنَّ التجارة توفر المال، وبالمال نستطيع أن نشتري ما نريد، ونستطيع أن نتقدم وأن نتحضَّر، وهذا الرأي فيه شطط، لأنَّ التجارة أو الحانوت لابدَّ لها من علمٍ ومعرفة، وإلاَّ كانت تجارة يخبط أصحابها في تيه وعماء، أذًا لا يمكن أن توجد تجارة ناجحة بدون مدرسة، ولذا ترى أبا اليقظان ينقل لنا الرأي الآخر، وهو رأي المدرسة قائلاً: «أنا مهبط العلم والحكمة، أنا كعبة الأدب والفضيلة، أنا فجر الهداية، ومنبع النور، أنا مهد الصبيان، وروضة الأطفال، وأستاذ الشبان، وتاج الكهول، ومفخرة الشيوخ، أنا مستشفى العقول، وطبيب حاذق لكلِّ مريض ومعلول، من حجري امتدَّت أشعة الاختراعات والاكتشافات، وبفضلي حلَّق الإنسان في الهواء، وغاص تحت الماء، وطوى الأرض في الظلماء» (73).

فهذه رؤية المصلحين والعلماء والمثقفين، الذين يؤمنون بأنَّ العلم هو مفتاح كلِّ الأمور، وبذلك

٢٣٠ / ٢٦٨