المناظرات أو الحواريات الثنائية في نثر أبي اليقظان
الجزء ١ · صفحة ٢٣١يجب أن يكون البذرة الصالحة الأولى في كلِّ المشاريع، ولكل الأعمال، لأنَّه قبسة روحية تحرِّك الهمم، وتفتح عيون البشر على الحكمة وحسن التخطيط.
وإذا أمعنَّا النظر في هذه الحواريات عمومًا وفي هذه خصوصًا نرى أن هذه الحواريات تحمل قيمة تربوية تثقيفية تطويرية للمتلقي، فهي تفتح النوافذ على الآفاق أمام الناشئة، وتزودهم بمادة علمية أدبية اجتماعية هامَّة، كما تُطلع الناس على تلك الآراء الجدلية، وعلى تلك الثقافة العربية الإسلامية، وتراكماتها عبر العصور الثقافية في الأدب العربي، ممَّا يكوِّن في النشء والأفراد عمومًا روح التحليل والتعليل والموازنة، واكتساب آلية المناقشة والحوار والجدل عمومًا، ومعرفة الواقع بكل تناقضاته وزيفه وسقمه وحقائقه، ومما فيه من شروح مضللة، ممَّا يحتِّم على المصلح إعادة تشكيل هذا الواقع، ولعل ذلك ما يقوم به أبو اليقظان من خلال هذه المناظرات.
وفي هذه الحوارية تقول المدرسة للحانوت: «أتفخرين بأنَّك معدن المال، والمال لا يحصل إلاَّ بي، ولا يُكسب إلاَّ بإشارتي، ولا يُدَّخر إلاَّ بإرشاداتي، أفتظنين أنك بدوني يَعمُرُونَك؟ وبِسِوَايَ يُديرونك؟ كلاَّ وألف كلاَّ!!!.
أولا ترين ما حاق بكِ من الخراب والدمار عندما تركني أبناؤكِ، وأهملوا شأني في السير بكِ؟ فلو اتَّبعوا آرائي ووقفوا عند حدودي ومعالمي، فهل يصلون بك إلى ما وصلوا إليه من التباب والهلاك؟» (74).
بينما ترى الحانوت أنَّ رواد المدرسة هم الغفلة والفقراء والبلهاء! الذين لا حظَّ لهم ولا فضل ولا قيمة، فحيثما كانوا كان الفقر والبؤس والشقاء، ولذا فهم يفرون منها إلى الحانوت، مهد الأموال والأحلام، وهذا ما نقرأه في السطور التالية على لسان الحانوت: «إنَّك مقرُّ الفقر ومثابة التعاسة، وعنوان البؤس والشقاء، ولو وجد الناس فيكِ بغيتهم وزهور مُناهم لما تركوكِ وأعرضوا عنكِ، وفيهم من قطع إليك مراحل من الطريق، وبذل آلافًا من الأموال التي هي من عرق جبيني، وعندما يئس منك وخابت آماله فيك، ووجدكِ ممَّا لا يسمن ولا يُغني من جوع، عاد إليَّ ورجع إلى حِجري تائبًا من غلطته، وهو في أقصى ما يكون من القصور والفتور، وآويته فهاهو أصبح من أرباب الآلاف وملاَّكي القصور، ولو لم يفعل ذلك لبقي من البائسين أو المخنَّثين» (75).
إنَّه الواقع المر، حين يهون العلم ويهوي علماء الأمة حتى يصبحوا لا يساوون شيئًا في نظر أصحاب الأموال، إنَّه الحس المأساوي الذي عشش في ذهن أبي اليقظان، وجعله يتألَّم من هذا الوضع المقلوب، إذ يصبح العالم مخنَّثًا لا لعلمه وإنَّما لقلَّة ذات يده، إنَّها لفتة من أبي اليقظان عظيمة أذ يحاول أن يستلَّ من أذهان العامَّة والخاصَّة هذه التصورات اللاإنسانية، تصورات الماديين التي تتنافى ومجتمعنا الإسلامي.