مجلة الحياة، العدد 8 (مبوبة) مجلة الحياة

المناظرات أو الحواريات الثنائية في نثر أبي اليقظان

الجزء ١ · صفحة ٢٣٢

ومهما يكن فإنَّ هذا رأي اجتماعي له دوره، وقيمته عند الذين يرون أنَّ العلم لا يقدِّم إلى الإنسان ما يحتاجه من المال، ولا يفرِّج كربة، وبخاصة حين نرى أرباب التجارة والحِرَف أصحاب مكانة رفيعة في المجتمع، بل استطالوا في بناء القصور والدور، بينما نرى المعلمين في ذلٍّ ومهانة، إذ لا يستطيعون أن يحصلوا على قوت يومهم، فيعتقدون أنَّ العلم والمعرفة وسطٌ للفقر والبؤس، وأنَّ التجارة هي أساس الحياة والملك والغنى والتقدُّم، ولذا فهم يوجِّهون أبناءهم إلى التجارة بدل التعليم، أو الالتزام بالمدرسة في إطار تعليم الطفل شيئًا معيَّنًا من العلم ليلتحق بالحانوت بعد ذلك. وهذا الرأي يرفضه أبو اليقظان كمصلح رفضًا باتًّا، إذ يقول على لسان المدرسة: «وأيُّ عزَّة لك؟ وأيُّ مفخرة في ولد كان في مقدِّمة أقرانه لديَّ، وفي صفوف الناجحين بين أقسامي، يصبح لديكِ في مؤخِّرة الأميين من أبنائك، يتولَّى الكنس والطبخ والغسل وما إلى ذلك؟ وهل بعد هذه المهانة من هوان؟ وهل بعد هذه الخسارة من خسران؟ … فالذنبُ في هذا ليس ذنبي، ولكن ذنبك إذ أغريتِهم بزخارفك الخلاَّبة، ومناظرك الجذَّابة، وإذا كان لك من شكٍّ في ذلك فانظري بين ذلك البائس وبين من أتمَّ دروسه تحت رعايتي».

يتَّضح لنا عن طريق هذا السرد للصراع الفكري الاجتماعي معاناة الأديب، ومدى امتداد تجربته في عمق الواقع بكلِّ تناقضاته وتحوُّلاته، ومدى انعكاس ذلك على تفكير السواد الأعظم من الأمة، وتلك مهمة الفنان الأديب الذي يوغل في الواقع، وينفذ إلى أعماقه ليصوره، خاصَّة إذا رآه مهزوزًا محشوًّا بقيم شاذَّة تقلقه، وهذا ما نراه حتى آخر هذه الحوارية، التي يفضِّل في آخرها أبو اليقظان المدرسة على الحانوت، رغم دعوته إلى تكاملهما؛ حيث تعترف الحانوت بنفسها بفضل المدرسة فتقول: «حقًّا أيتها المدرسة، لقد تراءى لي من بيانك الساحر وجه الحقِّ والصواب، ولاح لي نور الحقيقة وجوهر اللُّباب، فإليك يرجع في سير الأمم والأفراد في الصراط المستقيم، ولكن لا غنى لك عنِّي في تشييد خُططك وبرامجك، فهيَّا بنا نتَّحد ونتعاون، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه» (76).

إنَّ هذه الحواريات عمومًا هي عبارة عن رموز لقضايا اجتماعية أرَّقت الكاتب، وهي أفكار تروج في المجتمعات العربية عمومًا، وتكرَّرت مناقشتها في الحياة اليومية للمواطن منذ أمد بعيد، ولمَّا حاول المصلحون إعادة القطار إلى جادَّته وقفت هذه الإشكاليات أمامهم حجر عثرة، ممَّا استلزم من أبي اليقظان أن يناقشها بأساليب مختلفة؛ ومن هذه الأساليب أسلوب المناظرة أو المحاورة، لأنَّ الحوار محبب إلى النفوس، مشوِّق لها، ومثيرٌ للعامَّة، ووسيلة أكثر نجاعة من المقال الجاد، أو المقال الساخر ـــ ربما ــ حسب فهم أبي اليقظان. وكلُّ ذلك ليُزيح الستار عن الرأي الاجتماعي العام، والرأي الاجتماعي الآخر، ولذلك ظهرت لنا رؤية الكاتب وبان اتجاهه الفكري الإصلاحي، كما كشفت هذه الحواريات عن ثقافة الكاتب وعن مدى استيعابه للتراث خاصَّة، وهذا ما لمسناه

٢٣٢ / ٢٦٨