مجلة الحياة، العدد 8 (مبوبة) مجلة الحياة

المناظرات أو الحواريات الثنائية في نثر أبي اليقظان

الجزء ١ · صفحة ٢٣٣

في آراء الرموز المتحاورة في أدلتها الجاهزة أحيانًا، وسبل احتجاجها. كما نلاحظ دور العقل في هذه الحواريات، إذ أصبح هو المسير والحكم والسلطة الترجيحية، لأنَّ العقل لا يمثل في الحقيقة إلاَّ أصحاب النهى الراجحة، والعقول الكبيرة، والمنطق السليم، وبذلك استطاع أن يلتزم بمنهج معين في هذه المناظرات، كما استطاع أن ينقل إلينا الواقع بطريقة بسيطة لا تحتاج إلى جهد كبير من طرف المتلقي، وبمادة علمية دسمة ممَّا جعل هذه المناظرات وسيلة لإيصال معلومات معينة إلى الأمة، وإن كان حوارها لا يرقى إلى أسلوب الحوار المسرحي أو القصصي مثلاً، لأنَّه أميل إلى أسلوب المقامات من حيث حشد الألفاظ والمحسنات البديعية، ومن ذلك السجع والجمل المتساوية، يقول: «أنا أنسُ العلماء، وسمير الأدباء، وبهجة العبَّاد، وخلوة الزهَّاد، أنا مهد الراحة، وفراش العافية، ووسادة الهناء، وغطاء السكينة، مهيَّأة لمن يريد النعاس … » (77).

ومثل هذا الأسلوب نجده في معظم مناظراته، إذ يلتجئ إليه أبو اليقظان من حين إلى آخر لكنه لا يلتزمه، ومن ذلك مناظرة الحانوت والمدرسة التي يقول فيها: «أنا معدن المال، ومنبع الكمال، وكعبة الآمال، وقبلة النساء والرجال، في حضانتي تشبُّ الأطفال والصبيان، وبين جدراني يطوف الفتيان والشبان، وإليَّ يركع الكهول، ويحجُّ الشيوخ في سائر الأحيان، بفضلي بُنيت القصور وشُيِّدت الدور، ورحمت القبور، وملكت القلوب، وحصل ما في الصدور .. » (78).

كما يلتجئ فيها أبو اليقظان إلى تكرار حرف معيَّن أو كلمة لإحداث الجرس الموسيقي الذي يبحث عنه، من مثل قوله: «أعوذ بالله السميع العليم منك يا طالع النحس، ويا رائد الشقاء والبؤس، ويا علَّة كلِّ هوان، ويا سبب كلِّ خسران وحرمان» (79). أو قوله في مناظرة القهوة والمسجد، إذ يقول على لسان القهوة: «أنا سلوة النفس، وراحة البدن، فإليَّ يهرعون، وبين جدراني يستريحون، وعلى كراسيَّ يتجاذبون أعنَّة الحديث في كلِّ ما يهمُّهم من الأمور، ويتبادلون كؤوس الأنس والبهجة والحبور» (80)، أذ نرى كيف يحاول إحداث جرس موسيقي هو أشبه ما يكون بالقافية.

وقد يلتجئ فيها إلى الترادف أو الكلمات المتقاربة المعنى، وخاصة الأفعال والمصادر المتقاربة الحدث لإيجاد نوع من الموسيقى والتلوين الداخلي للنص، ومن ذلك قوله: «فأين أنت أيها المخنَّث وقت طلوع شمس الإسلام، وظهور الدين الحنيف في أرجاء المعمورة؟ ومن ذا الذي حمل سيوف الجهاد، ورفع أعلام الانتصار، ونشر ألوية الدين ما بين الصين والأندلس؟» (81)، وحين نلاحظ أسلوب أبي اليقظان وهو يحشد الألفاظ المتقاربة المعنى نحسُّ بتوالد الأفكار وتضافرها، ممَّا يجعل الجمل تتوازن، والموسيقى تترى متصاعدة، وهذه خاصية عامة في أدبه، كما تعتمد على الخيال وحسن التعبير.

٢٣٣ / ٢٦٨