الجراد ... جند الله الأعظم!!!
الجزء ١ · صفحة ٢٤٩ولقد ظهر الفساد في البر والبحر بما لم يكن يحدث في غابر الزمان، بل ولا في قاصده. وإن البشرية لتمرُّ بأحلك أيامها، وإنَّ الأرض لتعيش أتعس ساعاتها، في حين تألُّهِ العلم وتقدُّمِه، حتى صار المرء يرى أقصى ملكه كما يرى أدناه، وطار الناس في الفضاء استكبارًا لعلهم يبلغون أسبابها، أو يطلعون إلى إلهها، وقد ضاقت الأرض بما رحبت على من فيها، ولأن يسير الناس على الأرض وهم أطهار خير لهم من يطيروا في السماء وهم فجَّار، ورغم تطور المدنية واخضرار دمنتها حتى ازيَّنت الأرض وأخذت زخرفها فظن أهلها أنهم قادرون عليها، وقد فتح الله عليهم أبواب كل شيء، فطغى فراعنة الزمان الحاضر بأكثر مما طغى به فراعنة الزمان الغابر، فكان الواحد منهم اليوم يقول احتقارًا: أليس لي ملك الأرض وهذه القطعان من البشر في قبضتي، بينما ادَّعى فرعون موسى افتخارا فقال أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي.
ولقد صار المرء اليوم إذا مرَّ على القبور يتمنَّى أن لو كان مكان أصحاب القبور، أو يصعد إلى السماء زافرا وهو يقول:
يَا ليتَ السماءَ على من تحتَهَا هَبَطت
وانشقَّت الأرضُ فانجابَت بِمَن فِيهَا
وما الآفات والعاهات، والمخافات والسنوات، والحشرات والفيروسات، التي تصيب الناطقَ من الحيوان والعجماوات إلاَّ نُذُر ونقم، يصرفها في كل يوم، ويفصلها في كل قوم من لا تأخذه سنة ولا نوم، ويجريها رتيبة في المعاد من هو قائم بالمرصاد، ﴿فَكُلاًّ اَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُم مَّنَ اَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنَ اَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الاَرْضَ وَمِنْهُم مَّنَ اَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (8).
وهذا الذي دفعني اليوم إلى أن أقف في هذا المقام ـــ ولعله في غفلة من الذين ﴿يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً اَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (9) ـــ متسائلا عن الآفة التي أصابت بلادنا ولا تزال، والجائحة التي دمَّرت خيراتِنا ولا تبُال، بعد سنين من القحط والجدب، أعقبها عام من المطر والخصب، فاستبشر الناس في غير شُكر، وتطلَّعوا في غير ذكر إلى عام فيه يُغاث الناس وفيه يعصرون، وإذا بمالك جنود السماوات والأرض يُصدر أوامره العسكرية إلى فرقة من جنوده بالتحرك فورا إلى بلاد تسمى الجزائر غازيا، فاقتحم الحدود جوا وبرا، بكل عدده وقيادته، وبكامل عتاده وعدته، ممتثلا تعليمات ربّه الأعلى، لا تصد زحفَه مدفعية ميدان، ولا توقف تحركه كتائب فرسان، ولا تقيد غارته أسراب طيران، فأقام قواعده العسكرية في ربوع البلاد، شمالا وجنوبا، شرقا وغربا، استعدادًا ليشنَّها حربًا شعواء، فراح يديرها كما أراد، زمانا ومكانا، ويُغِيرُ كما يشاء زرافات ووحدانا، تدمر كل شيء بأمر ربها، لا يترك حبّا، ولا عنبا ولا قضبا، ولا فاكهة ولا أبّا،