مجلة الحياة، العدد 8 (مبوبة) مجلة الحياة

الجراد ... جند الله الأعظم!!!

الجزء ١ · صفحة ٢٥٠

كالريح العقيم ما أتت على شيء إلا جعلته كالرميم. وما خلفه هذا الجند من دمار في شهر مايو من هذا العام في الأجنة والنباتات، ليشبه ما خلفه الزلزال من دمار في شهر مايو من العام الماضي في الأبنية والبيوتات. فلله ما أتعس شهر أيار على البلاد وما أشقاه على العباد ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ الاَنْبَآءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ (10).

أيها المستمعون الأفاضل: لا شك أنَّ كل واحد منكم قد أدرك في نفسه، وتيقن في قلبه المقصودَ من هذا الجند، إنه الجراد. هذا الجند الذي يبسطه الله كيف يشاء ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَّشَآءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّنْ يَّشَآءُ﴾ (11) عبرةً لأولي الأبصار. فما ذا تعني كلمة الجراد؟ وهل هو من جند الله حقا؟ وهل يسلطه الله على من شق عصا طاعته فبغى على عباده وطغى في أرضه؟

للإجابة عن هذه التساؤلات أيها الإخوة المؤمنون تعالوا أصحبكم معي في هذه الجولة القصيرة في رحاب كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما فيما أثبته العلماء في أقوالهم ممَّا استنبطوه من عميق فكرهم، وسديد نظرهم.

فالجراد إنَّما سُمي جرادًا لأنه يجرُد ما على الأرض ولا يدع شيئا، وهو من جنود الله يسلطه الله على من يشاء من عباده. والأرض المجرودة هي التي أكل الجراد نبتها، واحتنك ما عليها من نبات فلم يبق منها شيئا.

وإذا جئنا إلى كتاب البارئ جل في علاه لننظر مواقع ورود كلمة الجراد في محكمه، وكم تكررت في بديع نظمه، نجد ها قد ذكرت مرتين اثنتين، وفي موقعين مختلفين لا ثالث لهما، وفي كل موقع منهما مشهد جلل يهدُّ الجنان، ويدكُّ البنيان، وتخشع الأصوات فيه للرحمن، فلا تسمع إلا همسًا:

أمَّا المشهد الأول فوَرَد في سياق صنوف الآيات التي أرسلها العزيز الجبار على فرعون موسى الذي ﴿كَذَّبَ وَعَصَى ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى فَحَشَرَ فَنَادَى فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الاَعْلَى﴾ (12) فقال عز من قائل: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ ءَايَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُّجْرِمِينَ﴾ (13) فأكل الجراد كل ما على ظهر الأرض من نجم وشجر، حتى الأبواب والدسر. وقد كتب على صدر الجراد جند الله الأعظم. ويا ما أشد وقع كلمة "أرسلنا" في كتاب الله على النفوس، فهي قرينة بعذاب الله وإنزال سخطه في كثير من آيات الذكر الحكيم، ففي قوم ﴿عَادٍ اِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ التِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلاَدِ﴾ (14) يقول الشديد المحال: ﴿وَفِي عَادٍ اِذَ اَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ اَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ (15). ويقول في ثمود ﴿الذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِي﴾ (16) ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ (17). وفي ﴿الْقَرْيَةِ التِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ (18) يقول ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا اِلاَّ ءَالَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ﴾ (19). وحين زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر إذ تحزبت

٢٥٠ / ٢٦٨