مجلة الحياة، العدد 8 (مبوبة) مجلة الحياة

الجراد ... جند الله الأعظم!!!

الجزء ١ · صفحة ٢٥١

الأحزاب على عهد رسول الله يوم الخندق يقول: ﴿يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمُ إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ (20).

فالجراد معاشر السادة المستمعين جندٌ من جنود الله التي قال فيها من له جند السماوات والأرض ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ (21). وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الجراد فقال: «أكثر جنود الله؛ لا آكله ولا أحرمه» (22)، وقال: الجرادُ خلقٌ عظيم يأكل من رزق الله ولا يجري عليه القلم (23). وكان عليه الصلاة والسلام يدعو على الجراد فيقول: «اللهم أهلك الجراد؛ أهلك كباره، واقتل صغاره، وأفسد بيضه، واقطع دابره، وخذ بأفواهه عن معايشنا وأرزاقنا إنك سميع الدعاء». فقال رجل يا رسول الله كيف تدعو على جند من جنود الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «إنها نثرة حوت في البحر» (24). وقال ابن عباس رضي الله عنه وقد سئل «لماذا لا تأكل الجراد؟ فقال لأنه رجز وعذاب، وهو جند الله الأعظم الذي يُعذِّب به». وتغذى ابن عباس يومًا وقد كفَّ بصرُه عند مولاه عكرمة، فسقطت جرادةٌ على الخوان فناولها عكرمةٌ ابنَ عبَّاسٍ فقال ابنُ عباس:

«يا عكرمة، إنه مكتوب عليها بالسريانية، إني أنا الله لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي، الجراد جند من جندي أسلِّطه على من أشاء من عبادي» (25). وقال المنذري: «أكثر جنود الله الجراد؛ إذا غضب على قوم أرسل عليهم الجراد ليأكل زرعهم وأشجارهم ويظهر فيهم القحط إلى أن يأكل بعضهم بعضا فيفنى الكل» (26). وسئل شريح القاضي عن الجراد فقال: قبح الله الجراد، فيها خلقة سبعة جبابرة: رأسها رأس فرس، وعنقها عنق ثور، وصدرها صدر أسد، وجناحها جناح نسر، ورجلاها رجل جمل، وذََنَبها ذَنَب حيَّة، وبطنُها بطن عقرب (27).

أيها الإخوة المؤمنون: إنه لمن عجيب غفلة الإنسان، وعظيم غبائه أن يقصر نظره، ويجمع تفكيره في هذه الحشرة التي اكتسحت الأراضي، وأعيت الطبيب الذي يداوي في حجم جسمها، وطول ذيلها، وفي توالدها وتكاثرها، ومدة بقاء بيضها جاهزًا للإخصاب، وعن تحركها في نظام عجيب تحرك الجنود في المعارك والخطوب، وعن طرق مقاومتها وإبادتها، والأعجب من هذا أن يخرج كثير منا لنتسلى بمشاهدت طيرانها، ونمتع فضولنا الغبي بمنظر تحركها، وربما نزحف خلفها محاولين اصطيادها لنشبع بها نهمنا، أو نصبّ عليها جام غضبنا، ثم نحاول بعد ذلك تلفيق الأسباب عن سبب وجودها، ودافع مجيئها بعيدا عن التأمل القلبي، والنظر العقلي، والربط الإيماني لهذه الآية بالواقع المعيش المؤلم الذي نعيشه منتهكين محارم الله، والدرب المظلم الذي نسلكه بعيدين عن تعاليم الله، منحرفين عن سنة رسول الله، وكأن قلم القدرة قد خط لنا في أزله صكا ألا يصيبنا عذاب من عنده أو بأيدينا مهما اقترفنا، كلا ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنُ اُوْلَئِكُمُ أَمْ لَكُم بَرَآءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾

٢٥١ / ٢٦٨