فهم القرآن في ضوء خطاب الحداثة العربي (قراءة نقدية لبعض الآراء)
الجزء ١ · صفحة ٢٨النظام الثقافي الذي تجلَّى من خلاله. ولذلك يكون منهج التحليل اللغوي هو المنهج الوحيد الإنساني الممكن لفهم الرسالة، ولفهم الإسلام من ثَمَّ» (10).
ونلاحظ ممَّا سبق مدى توافق نظرة "أبي زيد" مع نظرة أستاذه "الخولي" في اعتبار النص القرآني نصًّا لغويًّا لا يمكن الولوج إليه بتصديق "الغيبيات" و"الأساطير" و"الخرافات" وإنَّما يوظفها النصُّ لغرضٍ جمالي فني بحت!.
ولعلَّ هذه الفكرة ذاتها نلمسها عند مفكر آخر وناقد عربي وهو الجزائري "محمد أركون"، فهو ممن تأثَّر بالمنهج التفكيكي الذي يتزعَّمه "جاك دريدا"، لذا فهو ينادي بتفكيك النصِّ القرآني باعتباره أساطير وقصصًا يمكن قراءتها بطريقة أدبية بحتة، ونجده يقول في إطار نقده الهام للفكر الإسلامي: «إنًّ المعطيات الخارقة للطبيعة والحكايات الأسطورية القرآنية، تُتلقَّى بصفتها تعابير أدبية، أي تعابير محوَّرة عن مطامح ورؤى وعواطف يمكن فقط للتحليل التاريخي والسوسيولوجي (علم الاجتماع) والسيكولوجي (علم النفس) واللغوي أن يعرفها ويكشفها» (11).
إنَّ ما يسعى إليه كل من "أبي زيد" و"أركون" هو إزالة "القدسية" و"الغيبية" وأسس التعاليم الدينية الثابتة عن النص القرآني حتَّى يتسنَّى التعامل معه بحرية مطلقة وفقًا لأحدث النظريات التحليلية النقدية، وليكون موضوعًا للتأويلات النقدية الجديدة الممحِّصة لمكانته اللغوية والأدبية والتاريخية.
ويلاحظ القارئ أنَّ هناك تشابها بيِّنًا بين منهجي "أبي زيد" و"أركون" (12)، حيث يتَّفقان في "تفكيك" النص لدى الطرفين وفقا لمنهج تحليلي لغوي، بحيث تكتسب النصوص مصداقيتها من خلال دورها الواقعي الآني في الثقافة، فما ترفُضه الثقافة وتنفيه، أو تستهجنه وتستبعده لا يقع في دائرة "النصوص"، وما تتقبله الثقافة الراهنة بوصفه نصًّا دالاًّ فهو كذلك «وقد يختلف اتجاه الثقافة في اختيار النصوص من مرحلة تاريخية إلى مرحلة أخرى، فتنفي ما سبق أن تقبَّلته، وتتقبل ما سبق لها أن نفته من هذه النصوص» (13).
وقد نهج المنهج التفكيكي المفكر والأديب "أدونيس" في تأويله للتراث الأدبي العربي بشكلٍ عام، وإذا كان النص القرآني من صلب التراث العربي - حسب وصفه (14) -، فإنَّ المنهج الذي يتبناه هو منهج تحليل النص وتفكيكه، بهدم بُنياته [جمع بنية] وإعادة تشكيلها وفقا لمعطيات الواقع؛ إنَّه نفس المنهج الذي يتعامل به مع نصوص الأدب العربي بشكل عام، ومعالجته لن تختلف عن معالجة هذا النص أو ذاك. ووفاءً لنظرية "رولان بارت" القائلة بـ"موت المؤلِّف" بمجرِّد اكتمال نصِّه، وأنَّ النصَّ - باعتباره مادة لغوية - هو "الخالد" الذي ينطلق في رحلة غير منتهية من التلقي والتأويل، بينما يموت المؤلف ويفنى ويزول؛ فإنَّ أدونيس يقول عن النص القرآني: «منذ أن أصبح الوحي موجودًا في لغة، منذ أن تحوَّل إلى نصٍّ مكتوب، صار بوصفه كتابة، هو المتكلِّم، أي