مجلة الحياة، العدد 8 (مبوبة) مجلة الحياة

فهم القرآن في ضوء خطاب الحداثة العربي (قراءة نقدية لبعض الآراء)

الجزء ١ · صفحة ٢٩

صارت اللغة هي الذات المتكلِّمة» (15)، وليس بعيدًا عن هذا الرأي - رغم الاختلاف في المنهج - ما نجده عند "أبي زيد" حين يقرِّر بأنَّ القرآن نصٌّ لغوي «بكلِّ ما تعنيه اللغة من ارتباط بالزمان والمكان التاريخي والاجتماعي، ما هو خارجٌ عن اللغة وسابقٌ عليها لا يمتُّ لنا نحن البشر بِصِلة ( … ) وأيُّ حديث عن الكلام الإلهي خارج اللغة من شأنه أن يجذبنا - شئنا ذلك أم أبينا - إلى دائرة الخرافة والأسطورة» (16).

وبصرف النظر عن النقد الشديد الذي تعرَّضت له نظرية بارت حول "موت المؤلِّف" ليس فقط في الفكر العربي بل والغربي أيضًا (17)، فإنَّ تطبيق النظريات: البنيوية والتفكيكية والسميائية … بصيغتها الحالية - ودون مراعاة للقالب الفكري والحضاري والأدبي الذي صيغت فيه - على النصِّ القرآني، إذا لم يكن فيه خطأٌ منهجي، فإنَّ هذا التطبيق على الأقل لم يُوفق في التفريق بين النص الديني والنص الأدبي؛ فلكلِّ نصِّ خصائصه المستقلة والمميزة له دون غيره، وهذا الفهم يتأسَّس في أغلب الأحيان على توجُّه أيديولوجي لا يختلف عن الفهوم المغالية لبعض المفسرين القدماء إلاَّ في الاتجاه والمذهب أو طريقة التناول، فرغم إفادة كثير من الباحثين من مناهج الدراسات النقدية الحديثة والآراء الفكرية البارزة، إلاَّ أنَّ محاولاتهم لتطبيق هذه الآراء والأفكار على النصوص التراثية الإنسانية أو على النصوص السماوية كشفت عن خلل كبير في ملاءمة وتبيئة (من البيئة) هذه النظريات بما يوافق هذه النصوص.

وعلينا أن نؤكد هنا، أنَّ سوء استعمال البعض لهذه النظريات لا يعني أنَّها سيئة برمَّتها وغير ذات منفعة بحيث لا يمكننا الاستفادة منها … فالإسلام يقضي - على خلاف المعتقد المسيحي الحالي الذي يفرِّق بين الوحي والعلم - بأنَّ العلم والقرآن كلاهما من الله تعالى، وبالتالي فهما لا يتصادمان، وسوء الاستخدام وحده هو الذي ينبغي استنكاره. ولعلَّ هذا العجز في التطبيق والاستفادة أدَّى ببعضهم إلى اعتبار النصوص ذاتها غير قابلة للفهم والتحليل ما لم "يُخلَع" عنها طابع الأزلية والغيبية والقدسية، وما لم يتمَّ ذلك فإنَّ الإنسان العربي المسلم لن يتمكَّن من الاتصال بـ"الآخر" وسينطوي على نفسه وينكفئ على ذاته، وهذا بالضبط ما يعتقده "أدونيس" حين يقول: «إنَّ القول بإلهية النصوص والإصرار على طبيعتها الإلهية، يستلزم أنَّ البشر ينزوون بمناهجهم عن فهمها، ما لم تتدخَّل العناية الإلهية لوهب البشر طاقات خاصَّة من الفهم … وهكذا تتحوَّل النصوص الدينية إلى نصوص مُستغلِقَة على فهم الإنسان العادي، وتُصبح "شفرة" إلهية لا تفهمها إلاَّ قوَّة خاصَّة، ويبدو وكأنَّ الله يكلِّم نفسه ويناجي ذاته، وتنتفي عن النصوص الدينية صفات الرسالة والبلاغ والهداية والنور» (18).

وبناء على ذلك فإنَّ "أدونيس" يدعو كما دعا بعض الأدباء الأوروبيين ومنهم "مالارميه" في وقت سابق إلى إعادة كتابة الأدب ليوافق متطلَّبات العصر .. ، فإنَّه (أي أدونيس) يطالب بإعادة

٢٩ / ٢٦٨